العربدة في زمن ترامب

 

 

سالم بن حمد الحجري

لم يكن صعود دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية- في ولايته الأولى أو عودته اللاحقة إلى المشهد السياسي- مجرد تداول عادي للسلطة في دولة كبرى؛ بل مثّل تحوّلًا بنيويًا في طريقة تعاطي الولايات المُتحدة مع العالم. فقد أعاد ترامب إحياء نمط قديم من السلوك الأمريكي، يقوم على القوة العارية، والابتزاز السياسي، والاستخفاف بالقانون الدولي، لكن بصيغة أكثر فجاجة وأقل دبلوماسية، ما جعل كثيرين يصفون نهجه بـ«العربدة الأمريكية الصريحة».

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حرصت الولايات المتحدة- نظريًا على الأقل- على تغليف هيمنتها بشعارات النظام الدولي الليبرالي: احترام السيادة، دعم المؤسسات متعددة الأطراف، وحماية القانون الدولي. أما في عهد ترامب، فقد جرى نزع هذا الغلاف الأخلاقي بالكامل، واستُبدل بمنطق أقرب إلى "منطق الصفقة" و"قانون الأقوى" ومنطق العصابة الدولية.

تهديد دول ذات سيادة، فرض الإملاءات الاقتصادية بالقوة، استخدام العقوبات كسلاح جماعي، بل وحتى التلويح بإجراءات تتجاوز الأعراف الدبلوماسية- كما في التعاطي مع فنزويلا، أو التهديد العلني لدول حليفة- كل ذلك يعكس عقلية لا ترى في العلاقات الدولية منظومة قانون، بل ساحة صراع مفتوح.

في الملف الفنزويلي، بلغ السلوك الأمريكي ذروة خطورته. فبعد التهديد بقلب نظام الحكم ودعم محاولات تغيير النظام، والتلويح بخيارات قسرية، والتعامل مع رئيس دولة منتخب دوليًا باعتباره "هدفًا مشروعًا"، بدأ وقتها أن واشنطن تختبر حدود المسموح الممنوع، لكن هذه الإدارة فاجأت العالم أجمع بتنفيذ أسوأ سيناريو بخطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في انتهاك صارخ لكل مبادئ الأمم المتحدة وفي تحدٍ فج للقانون الدولي واستخفافًا خطيرًا بسيادة الدول، بعملية قرصنة تهدف للسيطرة على ثروات ومقدرات فنزويلا النفطية.

ربما لم يكن هناك مثال أبلغ على عقلية ترامب من قضية جرينلاند، ففكرة الاستحواذ على إقليم تابع لدولة أوروبية حليفة (الدنمارك) لم تُطرح ضمن نقاشات استراتيجية أو قانونية، بل بصيغة أقرب إلى عرض شراء عقار، هذا الطرح لم يكن مجرد زلة لسان، بل تجسيدًا صريحًا لعقلية ما قبل الدولة الحديثة، حين كانت الإمبراطوريات تتوسع بالشراء أو الإكراه. الأخطر من ذلك أن التهديد الضمني المصاحب – سياسيًا واقتصاديًا – كشف أن التحالفات الغربية لم تعد محصّنة من الابتزاز الأمريكي، وهذا ما يحدث هذه الأيام، حيث انتقل العرض من صيغة الاستثمار إلى التهديد بالاستحواذ بالقوة العسكرية مما يجسد واقعيا زمن الاستعمار

في أمريكا اللاتينية، أعاد ترامب إحياء مبدأ "الفناء الخلفي" بصيغته الأكثر قسوة، ففي كوبا تشديد للحصار، وإعادة منطق الخنق الاقتصادي الجماعي وفي المكسيك تهديدات تجارية، تشييد جدار عازل، وضغط سياسي علني، وأما كولومبيا فالتهديد والابتزاز تحت شعار مكافحة المخدرات أو الهجرة، إلى الحد بالتهديد بتنفيذ السيناريو الفنزويلي عليها.

هذه السياسات لا تعكس شراكة، بل علاقة قسرية بين مركز إمبراطوري وأطراف ضعيفة، حيث تُستخدم الأدوات الاقتصادية كبديل عن التدخل العسكري المباشر.

يطرح نهج ترامب سؤالًا جوهريًا:

هل تطبق الولايات المتحدة القانون الدولي، أم تستخدمه حين يخدم مصالحها فقط؟

ترامب لم يخفِ إيمانه بنسخة متطرفة من "الاستثنائية الأمريكية"، تقوم على أن:

أمريكا ليست ملزمة بالقواعد نفسها، فما تراه "أمنًا قوميًّا" يبرر خرق أي قانون، والمؤسسات الدولية عائق لا مرجعية، وبهذا المعنى، لم يكن ترامب منتهكًا للقانون الدولي فحسب، بل مُفكِّكًا لفلسفته الأساسية، والسؤال الأخطر هو:

هل تقود هذه السياسات العالم إلى مرحلة شبيهة بما قبل الحرب العالمية الثانية؟

الإجابة: نعم، جزئيًا. قبل 1939، كان العالم محكومًا بشريعة القوة وصفقات النفوذ وتجاهل سيادة الدول الضعيفة وانهيار الثقة بالقانون الدولي، وما يفعله ترامب – ومن يسير على نهجه عالميًا – هو إعادة تطبيع هذه القواعد، ما يفتح الباب أمام سباق نفوذ جديد وتفكك النظام الدولي وتصاعد النزاعات وتراجع فكرة الأمن الجماعي.

ترامب لم يخترع الهيمنة الأمريكية، لكنه نزع عنها القناع، ولم يلغِ النظام الدولي، لكنه أظهر هشاشته، ولم يعد العالم أكثر أمانًا، بل أكثر قربًا من الفوضى المنظمة.

إن أخطر ما في "العربدة الأمريكية الجديدة" ليس التهديد بحد ذاته، بل تحويله إلى سلوك طبيعي، يُشرعن القوة ويُجرّم الضعف. وفي عالم كهذا، لا تكون المشكلة في ترامب وحده، بل في النظام الذي يسمح بتكراره.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z