شرف المحاولة.. الصقر نموذجًا

 

 

 

 

صاحب السمو السيد/ نمير بن سالم آل سعيد

 

هذا الطائر الشامخ يحلق عاليًا فاردًا جناحيه في الآفاق الرحبة، يجوب الأنحاء ويرصد بعينيه الصقريتين هدفه، فينطلق إليه كالسهم، ظافرا بقنصه، ثم يعاود الطيران إلى أحد المرتفعات الجبلية؛ حيث مكانه، ناظرا إلى الوادي بسكينه وهدوء، ماضياً في التحليق متى شاء.

وهكذا تسير به السنوات متوالية إلى أن بلغ الأربعين من العمر، فشعر بأن الزمن أخذ منه قدراته، في حال لم يعهده من قبل في تكوينه.

ووجد نفسه يركن في منحدر الوادي، يصعب عليه الطيران إلى مسافات عالية، فجناحاه باتا ثقيلين، ومنقاره الحاد فقد حدته، ومخالبه أصبحت تعجز عن القنص. منتظراً نهايته ليموت شيئا فشيئا، جوعا وعطشا، وقد أنهكه الضعف وأوهنه الكبر؛ فانتفض غير راضٍ عن هذا المآل، فاستجمع ما تبقى لديه من قوة، وطار بجهد مضنٍ باتجاه أعالي الجبال حتى وصل إلى مستقره ومأواه.

وكان عليه أن يتخلص مما ألمَّ به وأعاقه عن أدائه المعهود كصقر من صقور الوادي العتيدة، بعميلة مؤلمة قاسية قد لا ينجو منها لقسوتها، إذا ما أراد أن يعيش أربعين عاماً إضافية ليبلغ الثمانين من عمره، فنفذها رغم خطورتها في محاولة ملؤها المجازفة.

فأخذ يقتلع ريش جناحيه الرث، وانتزع مخالبه الواهنة، وضرب بمنقاره الصخر حتى تفتت وانكسر، ليعاني الوجع والجوع والانتظار.

وخلال خمسة أشهر نما له من جديد منقار حاد، ومخالب قوية، وريش وارف، وعاد يُحلِّق عاليًا في السماء.

وكأنَّ ميلادًا جديدًا كُتب له، وعُمرا آخر مُنح لحياته، وبدأ مرحلة أكثر قدرة وشجاعة وتحمُّلًا، وتغلَّب على ضعفه الذي كاد أن يدفعه لنهايته.

ولعلَّ هذه القصة الرمزية تحمل معاني تتجاوز الصقر نفسه؛ فالحياة لا تعطي الإنسان دائماً طريقاً سهلاً للخلاص من معضلاته وأزماته، وقد يجد نفسه عالقا في ما آل إليه حاله لتمضي هكذا حياته، يحسبها قدرًا محتومًا، وهكذا ستبقى، إذا لم يبذل المساعي الجادة لإيجاد الحلول ومُعالجة الخلل واستعادة التوازن للخروج مما هو فيه من أوضاع عصية.

الضعف ليس فيما تضعنا فيه الظروف، وإنما في الاستسلام لهذه الظروف، دون محاولة فتح أبواب السعي لكسر حواجزها والتغلب على تحدياتها.

وقد يخسر المرء محاولاته وجهوده، وقد لا يصل إلى مراده، ولكنه يكفيه شرف المحاولة، وأن يبقى متمسكاً بالأمل، باحثا عن مخرج لتغيير واقعه إلى الأفضل، خطوة بخطوة، ليحقق ما يصبو إليه.

ودائمًا أن لا يرضخ لهزيمة الظروف إذا هزمته، بل يشد العزم ويعلي الهمة للقيام بالمحاولات تلو المحاولات لهزيمتها؛ فما دام للإنسان بقية من قوة على السعي وعزيمة على الاستمرار؛ فهناك دائمًا فرصة للحصول على مبتغاه.

فليس المهم كم تصعب أمامنا أيامنا وتضيق علينا دروبنا، وإنما كم نقف على أقدامنا كلما تعثر بنا الطريق وننطلق من جديد رغم المعاناة، كهذا الصقر ذي العزة والعزم.

الأكثر قراءة

z