من أراد التاج فعليه أن يتحمل ثقله

 

 

 

 

عائشة بنت أحمد البلوشية

 

 

هذا المثل العالمي يصف حالة كل من "أراد" أن يتحمل مسؤولية، الإرادة هي التي تحسم الأمر في هذه المسألة، لذا فعندما نختار الصديق أو الزوجة أو السكن أو المركبة أو غيرها من الأمور التي نختارها بملء إرادتنا، فنحن نحرر عقدا يحملنا المسؤولية عن ذلك الأمر، فعندما توافق على منصب وظيفي بكامل إرادتك، عليك أن تتحمل مسؤولية هذا المنصب وما يأتي معه من تبعات، رفيعاً كان ذلك المنصب أو ضئيلاً.

لذا فإنَّ التأفف من ضغط العمل ممنوع، والتبرم من المهام الوظيفية غير مسموح، والتهرب من إتاحة وقتك للنظر في شكوى المنتفعين من خدمات ذلك المنصب يوقفك سوء الموقف يوم لا ينفع مال ولا بنين، وإياكم أن يحتقر أحدكم أي منصب، فإذا ما ارتبطت بعقد وظيفي في أي جهة كانت أصبحت في منصب له ما له، وعليه ما عليه، بل علينا أن نضع الحديث الشريف: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه" نصب أعيننا، وهذا الأمر ينطبق على كل أمر نقرره بإرادتنا، ولكن قد يتبادر إلى ذهن أحدكم ويقول إن هناك مناصب تفرض علينا، وأقول له هذا صحيح، لكننا إذا وقعنا في هذا الفخ يمكننا أن نعتذر عن قبول ذلك المنصب أو تلك الوظيفة؛ بل قد يأتي أحدهم ويقول أنه قد قبل بتلك الوظيفة أو ذلك المنصب لأنه لم يجد أمامه أي مصدر آخر للرزق يوافق تطلعاته حينها، فأقول له إذا كنت تقصد أنه قبل ذلك الوضع مرغما لسبب أو لآخر، حسنا.. ولكن أين الإتقان في العمل منه؟ بل أين تحمل الأمانة من أهدافه؟!

عليه أن يأخذ على عاتقه أن هذه خيرة الله تعالى لي، بأن سبب الأسباب كي أكون في تلك الوظيفة اختبارا لصبري على كسب الرزق الحلال، وهل سأقوم بالتعامل مع صعوبات ذلك المنصب/ الوظيفة التعامل الأمثل في الواجبات والحقوق على حد سواء، ولو أننا نظرنا حولنا لوجدنا الكثير من الأمثلة لأناس كان تخصصهم الدراسي في جانب، وتفوقهم الوظيفي في جانب آخر تماما.

حدثتني إحدى الأخوات والحزن والغصة تنضح من بين نبرات صوتها عن طلاق ابنها وزوجته بعد ثلاثة أشهر من الزواج، وبالطبع كان هذا صادما بالنسبة لي، وقالت لي: هذا الجيل (دلوع)، لا يتحمل شيء، بل صدمتني أكثر عندما قالت لي بأن هناك شابين تطلقا بعد عودتهما من شهر العسل -وهو ليس شهرا بالمعنى الحرفي-؛ وللأسف الشديد فإنَّ عدد 4208 حالات طلاق وقعت في بلادنا الغالية في عام 2025م وحده لمؤشر خطير  جدا على المجتمع، فقد ارتفعت حالات الطلاق بنسبة 9.9% عن عام 2024م، والسواد الأعظم من تلك النسب هي من فئة الشباب، فهل هذا نتيجة "الدلع"؟! قطعا "لا".

 

عندما يقدم شاب ما على الزواج فهذا يعني إنه قد حسم أمره واتخذ قرار الارتباط بملء إرادته، وحتى موافقة الفتاة لم تأت إجبارا -ليس في وقتنا الحالي عموما-، بل وافقت على الخاطب بكامل إرادتها، لأنه من المستحيل بمكان أن يزكي الأهل أي شاب تقدم لخطبة ابنتهم إذا لم يكونوا قد وضعوه تحت المجهر قبل أي حديث، ليرتبط الاثنان بميثاق غليظ وليس بعقد ورقي، قال تعالى في محكم آياته:  {وَقَد أَفضَىٰ بَعضُكُم إِلَىٰ بَعض وَأَخَذنَ مِنكُم مِّیثَٰقًا غَلِیظا}(النساء: 21)، هذا الميثاق الغليظ هو أبلغ مثال على عظم المسؤولية، والذي تأتي تبعاته في المودة الرحمة والتحمل والتغاضي والتغافل والكثير الكثير الكثير من الصبر من كلا الطرفين، وأن لا نجعل الانفصال هو أول الحلول، بل يجب علينا محاولة معرفة الخلل الذي أدى بتلك العلاقة المقدسة إلى تلك المرحلة، ومحاولة حله، وإعطاء الفرصة تلو الأخرى، وبعد استنفاذ كافة الحلول يصبح الانفصال هو الحل الأخير.

وأخيرًا.. إن اتخاذ القرار في أي أمر، يعني أنك قد حررت عهدا على ذلك الوقت المهم من عمرك، فأنت تختار نوعية الوقت الذي تختار فيه الزمن الذي يمر عليك مع شريكة حياتك، وتوقيعك للعقد الوظيفي دلالة على تحملك مسؤولية الوقت الذي تمضيه في ساعات عملك، واختيارك لصاحبك يحملك المسؤولية الكاملة عن نوعية الحديث والأفعال الذي تشترك معه فيها، لنتأكد بأننا عندما نصل إلى مرحلة "عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاه، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاه"، تكون إجابتنا هي المنجية لنا في مشهد يوم عظيم، وبما أننا اخترنا تاج مسؤولية الوقت، فعلينا تحمل ثقله.

 

 

 

------------------------------------

 

توقيع:

لا تسرق الوقت..

يا أجمل الوقت..

تكذب على وأكذب عليك.. وألقى الدفا برعشة أيديك

نقضي العمر كل العمر.. نحلم بلحظة شاردة

ناظر وعدنا طاف..

في اللي درى ومن شاف

يا قلبك الخواف."

الأمير بدر بن عبدالمحسن.

الأكثر قراءة

z