د. حامد بن عبدالله البلوشي **
ليس أخطر على الأمم من ظلامٍ يحجب نور العقل، ولا أعظم أثرًا في صناعة الحضارات من حرف يفتح باب المعرفة، وكلمة توقظ الوعي، وكتاب يغير مسار الحياة. فبين أُمِّيّة تقيد الإنسان بقيود الجهل، وعلم يحرره من أغلال العجز، تتحدد مسيرة الشعوب، وتصنع نهضتها، وتبنى حضارتها. ولعل أعظم ما تهديه المجتمعات لأبنائها ليس المال ولا العمران، وإنما القدرة على القراءة، والتفكير، والتعلم، لأن الإنسان المتعلم هو الثروة التي لا تنضب، والاستثمار الذي تتضاعف ثماره جيلا بعد جيل.
ومن هذا المنطلق يحتفل العالم في الثامن من سبتمبر من كل عام باليوم العالمي لمحو الأمية، الذي أقرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ليكون مناسبة عالمية تؤكد أن محو الأمية حق أساسي من حقوق الإنسان، ومدخل رئيس لتحقيق التنمية المستدامة، وبناء مجتمعات أكثر ازدهارا وعدلا وسلاما. ويأتي شعار عام 2026 الذي أعلنته المنظمة: "محو الأمية تحقيقًا لمصلحة الشعوب والأرض وبناء الازدهار"؛ ليؤكد أن التعلم لم يعد غاية فردية، أو هدفًا شخصيًا؛ بل أصبح ركيزة لازدهار الإنسان وتطوره، وحماية البيئة وصيانتها، وتعزيز التنمية الاقتصادية وتحسينها، والاستعداد لمتغيرات المستقبل وتقلباته.
ولا شك أن محو الأمية يمثل إحدى أهم نقاط الانطلاق نحو تحسين جودة الحياة؛ فالإنسان المتعلم أكثر قدرة على الحصول على فرص العمل، وإدارة موارده بكفاءة، واتخاذ قراراته الصحية والاجتماعية والاقتصادية بصورة واعية، كما يسهم التعليم في الحد من الفقر، والقضاء على البطالة، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ قيم المواطنة، وبناء مجتمع قادر على مواكبة التحولات المتسارعة في عالم المعرفة.
وإذا كان العالم قد أدرك اليوم أهمية محو الأمية، فإن الإسلام سبق إلى ذلك منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، حين نزل أول ما نزل من القرآن الكريم بالأمر الإلهي الخالد: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ليجعل القراءة مفتاح الرسالة، والعلم أساس النهضة. ثم جاء قوله I: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقوله U: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وهي الآية الوحيدة التي أُمر فيها النبي ﷺ أن يطلب الزيادة من شيء، فلم يؤمر بطلب الزيادة من المال أو الجاه، وإنما من العلم.
كما قال رسول الله ﷺ: "مَن سلَكَ طريقًا يلتَمِسُ فيهِ علمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طريقًا إلى الجنَّةِ". ولم يكن اهتمام الإسلام بمحو الأمية مقصورا على تعليم القراءة والكتابة، بل تجاوز ذلك إلى محو أمية الفكر، والخرافة، والجهل، وبناء الإنسان القادر على عبادة الله وعمارة الأرض، حتى جعل فداء بعض أسرى بدر أن يعلم كل واحد منهم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، في صورة حضارية تؤكد أن التعليم كان منذ البدايات مشروعا لبناء الأمة.
وقد أدركت السلطنة هذه الحقيقة مبكرا، فجعلت التعليم حجر الزاوية في مشروع نهضتها الحديثة منذ بزوغ فجرها المبارك، مؤمنة بأن بناء الإنسان هو الطريق الأقصر لبناء الوطن. وشهدت العقود الماضية توسعا كبيرا في نشر التعليم في مختلف المحافظات، وإنشاء برامج تعليم الكبار ومحو الأمية، وتوفير المناهج المناسبة، وإعداد الكوادر التعليمية المؤهلة، مع اهتمام خاص بتمكين المرأة وإتاحة فرص التعليم لها، فضلًا عن توظيف التقنيات الحديثة والتعليم الإلكتروني، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الحكومية والأهلية لترسيخ ثقافة التعلم مدى الحياة.
ولم يكن ما حققته السلطنة في مجال التعليم ومحو الأمية وليد الصدفة، بل هو امتداد لرؤية قيادية تؤمن بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية للوطن. وقد أكد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- في أكثر من مناسبة أن العلم والمعرفة هما مستند التطور والتنمية، وأن بناء الإنسان العُماني وتأهيله بالعلم والمهارة والابتكار يمثل أولوية وطنية في مسيرة النهضة المتجددة. وانعكس هذا التوجه بوضوح في رؤية عُمان 2040، التي جعلت التعليم والتعلم والبحث العلمي والقدرات الوطنية في مقدمة أولويات محور الإنسان والمجتمع، مستهدفة إقامة نظام تعليمي عالي الجودة، وتعلما مستداما، ومجتمعا معرفيا قادرا على المنافسة والابتكار. كما تؤكد التوجيهات السامية باستمرار أهمية توفير بيئة تعليمية محفزة، وربط مخرجات التعليم باحتياجات التنمية وسوق العمل، وتمكين الكفاءات الوطنية من قيادة المستقبل. ومن هذا المنطلق، لم تعد محاربة الأمية تعني القضاء على أمية القراءة والكتابة فحسب، بل أصبحت تشمل أيضا بناء ثقافة التعلم المستمر، وتنمية المهارات الرقمية، وتعزيز التفكير النقدي والابتكار، حتى يكون المواطن العُماني أكثر قدرة على مواكبة متغيرات العصر، والإسهام الفاعل في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040.
وقد أثمرت هذه السياسات نتائج مشهودة؛ وإنجازات بارزة، وثمارًا عظيمة؛ إذ انخفضت معدلات الأمية في السلطنة بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه في بدايات النهضة، وارتفعت نسب الالتحاق بالتعليم، وتحسنت مؤشرات التنمية البشرية، ونالت التجربة العُمانية في التعليم ومحو الأمية إشادات إقليمية ودولية، لتغدو نموذجا يؤكد أن الاستثمار في التعليم هو الاستثمار الأكثر استدامة.
غير أن مفهوم الأمية اليوم لم يعد يقتصر على عدم القدرة على القراءة والكتابة، بل اتسع ليشمل الأمية الرقمية، والأمية الإعلامية، وضعف المهارات التقنية، والعجز عن التعامل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومصادر المعرفة الرقمية، وهو ما يفرض على المؤسسات التعليمية تطوير برامجها، والانتقال من تعليم الحروف إلى تعليم مهارات الحياة، والتعلم المستمر، والتفكير النقدي، والقدرة على التكيف مع متطلبات العصر.
وإذا كانت السلطنة قد قطعت شوطًا كبيرًا في القضاء على الأُمية، فإن المحافظة على هذا الإنجاز تتطلب مواصلة تطوير التعليم، وتعزيز مهارات المستقبل، وتمكين جميع أفراد المجتمع من الوصول إلى فرص التعلم المستمر، وبناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على صناعة مستقبله حتى يظل الإنسان العُماني -كما عهدناه دائمًا- محور التنمية وصانع الازدهار، وتسير عُمان بثقة نحو مستقبل أكثر إشراقا وازدهارا.
** مدير عام شبكة الباحثين العرب في مجال المسؤولية المجتمعية
