القيامة السياسية.. حين تستيقظ الشعوب من سباتها وتسترد الحكاية!

 

 

 

 

د. مجدي العفيفي

 

(1)

في البدء كان الصمت.. ثم الخوف.. ثم الاعتياد. لكن التاريخ لا يقف عند الخنوع، ولا ينام طويلاً تحت وسادة الوهم. يأتي وقت، ينفجر فيه الصمت، وتفيق الشعوب على حقيقة أنها كانت تصلي في معبدٍ للطاغية، وتكتشف أن الخوف لم يكن قدرًا، بل قرارًا - قرارًا جبانًا تمّ تمريره باسم "الاستقرار".

ذلك هو زمن القيامة السياسية، حين يخرج الناس من قبورهم المعنوية، محمّلين بالغضب والذاكرة، رافعين راية واحدة تقول: "لن نُقاد بعد اليوم كالقطيع".  في هذا الزمن لا تنفع الميديا، ولا الأناشيد، ولا «الكليشيهات» التي صاغها كَتَبَة السُلطة.

فالإله الإعلامي الذي صنع الطغاة، هو أول من يُصلب على شاشاته عندما تتفجر الحقيقة.

الشعوب حين تستيقظ، لا تعود تبحث عن الزعيم، بل عن ذاتها. تدرك أنها هي المنقذ، وأنها كانت طوال الوقت تمشي خلف سرابٍ صنعته الكاميرات وأكله الغبار.

(2)

القيامة السياسية ليست ثورة في الشوارع فقط، بل ثورة في العقول، في اللغة، في طريقة النظر إلى الزعيم نفسه؛ ذلك الزعيم الذي كان يُرى مخلّصًا، يُصبح فجأةً عرضًا جانبيًا في مأساة طويلة.

حين تفيق الشعوب، تُعيد تعريف الكلمات: الولاء يصبح خيانة.. الطاعة تصبح عارًا.. والسؤال يصبح عبادة.

ويبدأ التاريخ في كتابة سطوره الجديدة بمدادٍ من دمٍ وكرامة، حيث لا يعود الميكروفون سلاحًا في يد السلطة، بل في يد المواطن؛ ذلك المواطن الذي كان يُقصى من المشهد، يعود ليتحدث باسم وطنٍ لم يعد للبيع ولا للتوريث.

(3)

هنا، تسقط كل الأقنعة، ويظهر الحاكم على حقيقته: بلا هالة، بلا ماكياج، بلا مخرج تلفزيوني.

وتنكشف الحقيقة المرعبة: أنه لم يكن “زعيماً” قط، بل موظفًا في مكتب الأوهام.

القيامة السياسية ليست حدثًا لحظة انفجار، بل رحلة وعيٍ مؤلمة. تبدأ بالدهشة، تمرّ بالغضب، وتنتهي بالإصرار؛ فالشعب الذي جاع، وسكت، ونام طويلاً على وسادة الإعلام، حين ينهض.. لا ينهض ليصفّق، بل ليُحاسب.

وهنا تتبدّل الأدوار. من كان فوق المنبر، ينزل. ومن كان في الزنزانة، يخرج ليعلّم الناس الحكاية. الحكاية التي تقول إن الخوف مرضٌ جماعي، لكن الشجاعة عدوى أيضًا، يكفي أن يصرخ واحد بصدق، حتى يبدأ ألف في السير وراء الحقيقة.

(4)

في القيامة السياسية لا يسقط الطغاة فقط؛ بل تسقط اللغة الكاذبة، والشعارات الخشبية، والمقدسات المزيفة التي طالما استخدمت كعكازٍ لسلطةٍ عمياء.

تسقط معها مفردات “الزعيم الخالد”، “المنقذ”، “الأب الروحي للأمة”، ويُولد مكانها قاموسٌ جديد عنوانه: “الناس أولاً.”

ويا للمفارقة!

حين تنهض الشعوب حقًا، تكتشف أنها لم تكن بحاجة إلى زعيمٍ أبدًا، بل إلى وعي، إلى سؤال، إلى ضمير.

(5)

هذه هي القيامة السياسية: انفجار الوعي من بين ركام الأكاذيب، ولادة وطنٍ جديد من رماد الإعلام القديم، وإعلان نهاية عصر الطغاة الذين صنعهم الضوء وأحرقهم الضوء؛ فالتاريخ لا يُدار إلى الأبد بالكاميرات، ولا بالهاشتاجات، ولا بالأغاني الوطنية التي تُبث وقت القهر.

التاريخ يُدار حين تُكسر الشاشات، ويُعاد فتح النوافذ، ويقول الشعب أخيرًا.. لا بالتصفيق، بل بالوعي: "لقد رأيناكم.. وعرفناكم.. ولن نعبدكم بعد اليوم".

(6)

ما بعد القيامة؛ وعي الشعوب في مواجهة أنقاض الطغيان.. بعد أن تخمد النيران الأولى، وتنفض الشعوب رماد الخوف عن أكتافها، تبدأ المرحلة الأصعب.. مرحلة ما بعد الانفجار، حين لا يكون الخطر في الطغاة، بل في الفراغ الذي يتركونه خلفهم.

فالأنقاض لا تُبنى عليها الأوطان ما لم تُنظَّف من رائحة الماضي، ولا تُستعاد الحكاية ما لم يُكتب لها وعيٌ جديد، وعي لا يُولد من الشعارات، بل من الدرس، من الندم، من الجرح، من التجربة التي كلفت أجيالًا عمرها كي تفهم الحقيقة البسيطة:

(7)

لا زعيم أكبر من وطن.

في لحظة ما بعد القيامة، تتضح الرؤية التي كانت مموهة لعقود. يكتشف الناس أن السلطة ليست غاية، بل أداة مؤقتة لتنظيم الحياة، وأن الزعامة ليست تاجًا على الرأس، بل عبءٌ على الكتفين، وأن من يطلبها بشغف، لا يستحقها.

ما بعد القيامة هو زمن الوعي الجمعي، زمن المواطن الذي لم يعد يكتفي بالتصفيق؛ بل يسأل، ويحاسب، ويرفض أن يُدار بعصا الإعلام أو بخطب المساء.

إنَّ أخطر ما تتركه الطُغيانيات خلفها ليس الخراب المادي، بل خراب الوعي؛ ذلك الخراب الذي يجعل الناس يحنّون إلى جلادهم، ويخافون الحرية لأنها تضعهم أمام مسؤولية أنفسهم.

ولذلك فإن أول معركةٍ بعد القيامة ليست ضد السلطة، بل ضد العبودية الساكنة في الأعماق.

حين ينهض وعي الأمة، تتبدل مقاييس القوة: لم تعد الدبابات، بل العقول. لم تعد الولاءات، بل الكفاءة. لم يعد الخطاب العاطفي، بل المشروع الوطني الحقيقي.

(8)

في هذه المرحلة، يولد المفكر قبل السياسي، ويُستشار العالِم قبل الخطيب، ويُصغى إلى الشاعر لا لأنه يمدح، بل لأنه يرى.

إن ما بعد القيامة ليس احتفالًا بالنصر، بل امتحان للبقاء؛ فمن السهل إسقاط الطاغية، لكن الأصعب هو إسقاط فكرة الطاغية التي تستوطن النفوس؛ ذلك الشبح الذي يظهر كلما تعبت الشعوب، فتركع من جديد لوجهٍ جديد، باسمٍ جديد، وبروايةٍ جديدة.

ما بعد القيامة هو معركة الوعي مع الذاكرة، ومعركة الضمير مع العادة، ومعركة الحقيقة مع “التطبيع مع القبح”.

هو الزمن الذي تُعاد فيه كتابة العقد الاجتماعي.. ليس على الورق، بل في العقول.

(9)

وفي هذا الزمن، تتعلم الشعوب أن الحرية ليست هبة تُمنح، بل مسؤولية تُمارس..

أن الزعيم الحقيقي لا يعلو على شعبه، بل يذوب فيه..

أن الإعلام لا يُقدّس الحاكم، بل يُراقبه..

أن الكلمة لا تُسبّح بالولاء، بل تُقيم العدل..

وحين تصل الأمة إلى تلك اللحظة - لحظة أن تفهم، لا أن تثور فقط - تكون قد عبرت من مرحلة التاريخ إلى مرحلة الوعي.

تلك المرحلة التي لا يُختزل فيها الوطن في وجهٍ واحد، ولا في كرسيٍ واحد، ولا في شعارٍ واحد.

فما بعد القيامة ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها الحقيقية، حيث يتعلم الناس أن الوطن لا يُدار كإقطاعية،

ولا يُختصر في فرد، ولا يُقاس بحجم الجماهير في الميدان، بل بحجم الوعي في العقول.

(10)

وهكذا، حين تنطفئ آخر نارٍ في مسرح الزعامة الزائفة، يعود الضوء الحقيقي إلى الأرض: ضوء الناس، ضوء الفكرة، ضوء الوطن الذي قال أخيرًا بصوتٍ واحدٍ لا يُكسر: كفى زعامة.. نريد قيادة. كفى أصنامًا.. نريد إنسانًا. كفى أبوةً زائفة.. نريد عقدًا من الوعي لا من الخضوع.  تمت.. ولكنها ليست نهاية.

فما دام في الأرض من يسأل، فلن يعود الطغاة إلى مقاعدهم.

الأكثر قراءة

z