خلفان الطوقي
الحياة الطبيعية في تغير مُستمر، والتطور هو سُنَّة الحياة، والتحسين أصبح نمطاً من أنماط البيئة التي نعيشها، والسكون والثبات هو الاستثناء، ولأننا نعيش في محيط خليجي -مستقر إلى حد كبير- فهو مليء بالتغيرات والتحسينات المستمرة، ولأن عُمان ملاصقة لباقي دول الخليج، تجد هناك مزايا وتحديات لقربنا الجغرافي من أشقائنا وجيراننا الخليجيين، والميزة أن مجال التعلم ونقل التجارب الناجحة منهم أصبح متاحا بسهولة وسرعة فائقة، والتحدي أن عُمان سوف تظل ساحة مقارنة بينها وبين باقي دول الخليج بغض النظر عن ظروفها وخططها التنموية والتشريعية وأولوياتها.
لا يمكن بأي حال من الأحوال إيقاف الناس عن المقارنة خاصة بين دول الجوار، وهذا طبيعي، وما ينطبق على الأفراد في مقارنتهم التي تبدأ من المنزل، فالقرية، والمنطقة، ومن ثم المحافظة، ومن ثم تتمدد المقارنة بين الدول، لذلك فمن غير المنطقي التحكم في هذا السلوك البشري الطبيعي.
سلوك المقارنة لا يعني بالضرورة أنه يجب على عُمان أن تكون نسخة مكررة -طبق الأصل- من بلد آخر، ولا يعني أيضًا أن ننتقص كل ما هو جميل في عُمان، بالرغم من ذلك يمكننا أن ننقل أفضل التجارب والممارسات مما هو موجود لديهم ليكون معنا حسب إمكانياتنا وأولوياتنا، فإن طبقت ممارسة معينة في أكثر من بلد خليجي، فمن الأفضل أن نقيم هذا التطبيق أو الممارسة في أسرع وقت ممكن، وإلا فقدنا الميزة التنافسية، ونكون قد تأخرنا عن الركب بفارق كبير.
التنافس المحموم بين دول الخليج زاد منذ 10 أعوام، وهذا طبيعي وصحي، وإن كانت الأمنيات بالتكامل الخليجي في كل شيء، فمن وجهة نظري أراه صعب المنال، ولكن في ذات الوقت يمكن التعامل مع الواقع بمبدأ يمكن التكامل في قطاعات، والمنافسة في قطاعات أخرى.
والحكمة في سياساتنا الحكومية يمكن لها أن تطور كل الخدمات والتشريعات والإجراءات والتطبيقات من خلال جهودها الذاتية، إضافة إلى ذلك، الاستفادة القصوى من كل الممارسات والتطبيقات الناجحة لدى الغير ليس فقط في الخليج، وإنما في العالم أجمع، وتركيز إضافي في الخليج بحكم القرب الجغرافي والظروف المشابهة أكثر من غيرها، مع مراعاة أن التعلم وسرعة المرونة في التغير أصبح ضرورة ملحة، وإلا سوف يتم إزاحة الساكن والتقليدي من السوق، وكما يقول المثل: من لم يتقدم، يتقادم.
وعليه، يجب التركيز على مسارين؛ المسار الأول: تجاربنا الناجحة، وتطويرها بشكل مستمر، وهي كثيرة، ويمكن للآخرين التعلم منها، ونقلها إلى دول أخرى، أما المسار الثاني؛ فيتمثل في رصد الممارسات التجارية أو التطبيقات الإدارية أو القوانين العصرية المتقدمة، وتقييمها، وتطويعها بما يتناسب معنا، لكي لا نبدأ من المربع الأول؛ بل نبدأ من حيث انتهى الآخرون؛ ففي مواضيع عديدة، لا يمكن إعادة تطوير موضوع معين، وهو موجود ومجرب وأشبع بحثا وتطبيقا في أقرب الأسواق والبيئات القريبة منك.
إنَّ تطبيق قاعدة "نبدأ من حيث انتهى غيرنا" مُهم، ويحقق توفيرًا في المال والجهد والبحث، ويكسبنا نجاحات ونتائج استثنائية، ويُقلِّل الفوارق بيننا وبين غيرنا، وليس عيباً أو ينتقص منَّا أن نتعلم ممن سبقنا في قطاع مُعين؛ بل الميزة أن نُعظِّم ونُحسِن من قصص نجاحنا، وننقل نجاحات غيرنا إلينا، ليس تقليدًا أعمى، ولكن تطويعه وتطويره بما يتناسب معنا، وهذا ما يُسمى بنقل المعرفة وفق أُسس صحيحة وحس وطني يسعى لتحسين وتطوير مستمر.
