حسين الراوي
ليلة البارحة، وبعدما غادر مجموعة من الأصدقاء ذلك المنزل الكريم الذي جمعنا فيه الأديب سعيد بن عبدالله الدارودي في منزل شقيقة السيد المحترم حافظ الدارودي، على عشاء وضيافة كبيرة ازدحم فيها المكان بأطباق كثيرة من المأكولات والحلويات والمشروبات الباردة والساخنة، وقد كانت الضيافة يتم تجديدها في كل حين أثناء تلك الجلسة.
استوقفني في الخارج الصديق الأستاذ عادل متولي، صاحب مكتبة النبلاء ودار نشر بورصة الكتب، فأهداني كعادته مجموعة من الكتب الجديدة التي طبعها بمعرفته.
وفي وقت باكر من هذا الصباح، أخذت تلك الكتب وغيرها من الكتب إلى أحد المطاعم الجميلة التي تقع مباشرة أمام البحر في الدهاريز، ومع إفطار جيد وفنجان قهوة مميز ونسمات هواء مدهشة، أخذت أتصفح بشكل سريع تلك الكتب. والخبرة الطويلة التي لديّ في علاقتي مع الكتب تجعل التصفح السريع لديّ ليس بالمستوى العادي، بل فيه شيء أكثر من العمق والفطنة والمزاج.

ومن بين تلك الكتب كان هناك كتاب بعنوان «ظفار.. ذاكرة مكان وزمان» للمؤلف خالد بن سعد الشنفري.
يا الله على جمال هذا الكتاب!
يا الله على روعة صاحب الكتاب!
كم كان مؤلفه راعي مزاج في كتابته، حيث كان يمزج حلاوة الأسلوب بالحنين والحب والذكريات وتجاربه في الحياة وأمنياته وتطلعاته.
«ظفار ذاكرة مكان وزمان» للكاتب خالد بن سعد الشنفري كتاب يجمع مقالات كُتبت على مدى سنوات، تستعيد تفاصيل الحياة في محافظة ظفار من خلال عيون من عاشها وعاصر تحوّلاتها.
يتنقل النص بين أزقة الحافة وشواطئها وأسواقها القديمة، وبين أطلال البليد وما تحمله من كنوز مدفونة، وبين ذكريات الستينيات التي رسمت أولى ملامح الطريق نحو الحرية والتغيير.
يرصد الكتاب ملامح يومية بسيطة كانت تشكّل نسيج المجتمع: قصة الخبز والقهوة والكهرباء والغاز، وسردين «الضاغية»، والقفير والزّمبيل، والجيرة والمقايضة، وحجفوف والبانيان. كما يتوقف عند تحوّلات المكان من ناقة علي ضبعان إلى سيارة الوانيت اليابانية، ومن السناوة إلى جاوة، ومن الرقايا إلى مشاريع إحياء الموروث مثل مشروع الغارف.
يمتد السرد إلى شواطئ ظفار وأخوارها، وسوق شاطئ الحافة التراثي الذي يجسّد الأصالة والمعاصرة، وميدان سمحان، و«عودة الماضي»، والغبّ والدّكة، والمساجد والأضرحة، والتباشير واللبان. ويضيء على الفرق الوطنية الباسلة، وشخصيات مثل الشيخ تاج العارفين، وعلى مسارات امتدت من الحافة إلى بكين، وعلى من علّم حرفًا فصار له مكانة خاصة في الذاكرة.
في زاوية أخرى، يستحضر الكاتب سنة أولى سعيدية، وذكريات النهضة وبانيها، والتلفزيون الملوّن، والعكّاسة والسينما، ونخلتين، ونجد الواعدة، وملحمة العطاء في النجد، واستجلاء ما جُهل من التاريخ. كما يروي ذكريات الكشافة، وأغسطس الذي يتحوّل سنويًا إلى سيمفونية عُمانية في صلالة، وخريف ظفار بكل ما يحمله من رحمة وحب وعطاء، والحجّ إلى ظفار، وشجون الخريف الفائت والآتي، ومجمع السلطان قابوس الثقافي، وجيبجات والبنفسج، ودجاج خور، وذاكرة طريق صلالة–مسقط.
الكتاب ليس سردًا تاريخيًا رسميًا، ولا سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، بل هو ذاكرة حيّة لمكان وزمان، تلتقط ما قد يغيب عن الوثائق الرسمية، وتُبقي على تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية والقيم التي شكّلت هوية ظفار، لتبقى حاضرة في وجدان الأجيال.
شكراً ممتداً للأستاذ خالد بن سعد الشنفري على ما قدّمه لنا من روعة في كتابة «ظفار.. ذاكرة مكان وزمان».
وشكراً للأستاذ الأديب عادل متولي، الذي ساهم كثيراً في نشر الثقافة وحركة النشر في ظفار وعموم السلطنة.
وشكراً للأستاذ الأديب سعيد بن عبدالله الدارودي، على ما أكرمني به من «مسلوت»، وهي كلمة من الدارجة الظفارية، تعني أن يذبح أحدهم لوجه الله ذبيحة من أجل سلامة أحد أحبابه بعد خروجه من المستشفى وما شابه ذلك
