ما لا نحبه في العمل: رحلة التأقلم أو نقطة النهاية

 

عائض الأحمد

يظنّ الكثيرون أن أغلب المبدعين في سوق العمل كان اختيارهم لما يقومون به نابعًا من رغبة سابقة، وأن كل هذا التميز لم يكن إلا نتيجة حبٍّ للعمل وانسجامٍ مع بيئته.

والحقيقة أن الأمر ليس كذلك دائمًا.

يقول لي ذلك الشاب الذي يحمل درجتي ماجستير في القانون والأدب: «بدأت حياتي بما لم أكن أحلم به قط، ثم أُجبرت على ما أُكرهت عليه في سوق العمل. وبعد سنوات قضيتها متنقلًا بين العديد من التخصصات والأعمال، تمردت على كل هذا، وعدت من حيث بدأت أبحث عن ذاتي، فخسرت دخلًا ثابتًا، وكأنني أنشد المستحيل».

توقفت طويلًا عند حكايته؛ لأنها تختصر جانبًا من حكايات كثيرين ممن يدخلون سوق العمل من أبواب لم يختاروها، ثم يجدون أنفسهم بعد سنوات أمام سؤال أكثر صعوبة: هل أستمر فيما أتقنته، أم أعود للبحث عما أريده؟

وربما لا تكمن المشكلة في أن تعمل خارج تخصصك، بقدر ما تكمن في أن تقضي سنواتك بعيدًا عما ترى نفسك فيه؛ فالكثيرون لم يروا لأنفسهم في بداياتهم مكانًا أو مكانةً في الأعمال التي انتهوا إليها، ولم تكن تلك الوظائف حلمًا راودهم، ولا تخصصًا سعوا إليه، وإنما ساقتها إليهم ظروف معينة، وبسطت فروضها أمامهم، فلم يكن أمامهم إلا أن يتأقلموا معها.

وهنا تظهر صفة قد تكون أحيانًا أهم من التخصص نفسه: القدرة على التأقلم.

فأن تعمل في مجال لم تختره، ثم تتعلمه، وتتقنه، وتجد لنفسك فيه موضعًا، ثم تتجاوز الإتقان إلى الإبداع؛ فهذا ليس أمرًا عابرًا، ولا دليلًا على أنك تنازلت عن رغبتك، بل قد يكون دليلًا على قدرتك على صناعة الفرص من بين الظروف.

فليس كل ابتعاد عن التخصص ضياعًا، كما أن البقاء فيه ليس بالضرورة وصولًا. لكن التأقلم له وجه آخر؛ فقد يتحول مع الوقت إلى إقامة طويلة في مكان لا يشبهك.

وهنا يبدأ التمرد؛ ليس بالضرورة تمردًا على العمل، وإنما على الصورة التي صنعتها الظروف لك، وعلى الحياة التي اعتدت عليها حتى أصبحت تخشى خسارتها أكثر مما تخشى خسارة ذاتك.

في وقتٍ ما، نظن أن الحياة تفرض علينا ما تريد، ونغفل في أغلب الظن، أننا نحن من أجّلنا مواجهة ما كان ينبغي أن نواجهه. وحين حلّ بنا أثر ما صنعناه، بادرنا إلى الشكوى، ونسينا أننا نحن من صنعنا لأنفسنا هذا الطريق.

وهنا لا تعود المسألة مسألة عملٍ فحسب، بل مسؤولية عن اختياراتٍ امتدت بنا حتى أصبحت واقعًا يصعب تغييره.

وليس كل من أحب عمله أبدع فيه، وليس كل من لم يختر عمله أخفق فيه؛ فبعض الناس قادتهم رغبتهم إلى أعمالهم، وبعضهم قادتهم أعمالهم إلى اكتشاف رغباتهم.

وبين الاثنين مساحة واسعة اسمها التأقلم؛ وهي ليست أقل شأنًا من العلم بالتخصص، ولا من معرفة الإنسان ببواطن مهنته؛ لأن التخصص قد يمنحك المعرفة، والرغبة قد تمنحك الدافع، لكن التأقلم يمنحك القدرة على الاستمرار حين لا تأتي الحياة كما أردتها.

وربما لهذا نجد في سوق العمل مبدعين لم يبدأوا من حيث أرادوا، لكنهم انتهوا إلى حيث لم يتوقعوا.

فليس النجاح دائمًا أن تجد العمل الذي تحبه، ولا أن تعمل فيما تخصصت فيه، بل أن تعرف متى تتأقلم مع ما فُرض عليك، ومتى تتمرد بحثًا عما يشبهك.

لها: لم تعد كل تلك السنوات تشبهك؛ فغادرت رغباتك وحلمك، وتبنّيت طفولةً أخرى في زمنٍ لم يعد لك.

شيء من ذاته: يقول لي: «فعلتُ أكثر من ذلك، فلا تلُمْني حين جعلتك قدوةً لي»، وكأنه يعلم أكثر مما علمتُ، في وقتٍ لم يكن قد وُلد فيه بعد.

نقد: إن لم تكن لك، فهي مقدّرةٌ لغيرك؛ تسير بخطى من يريدها، ويقبلها كما هي.

الأكثر قراءة

z