كيف هجرنا الجودة الطبيعية والأصالة من أجل بريق الشكل ووهم العروض؟

 

هلال بن عامر بن علي القاسمي

تُخفي المائدة العُمانية اليوم تحت بريقها وجمال تشكيلاتها وتنوع أصنافها وأطباقها الفاخرة؛ هاجسًا مقلقًا سببه التحول الثقافي في التغذية، هذا التحول الذي انتقل بالمستهلك من ثقافة الأجداد في فلسفة الغذاء الدقيقة القائمة على "الأصالة والجودة" إلى بريق المعروضات وجمال الشكليات، باختصار صرنا نأكل الشكل والتغليف الجميل، والتنظيم اللافت واللون الذهبي أكثر مما نأكل الغذاء نفسه.

كان الأسلاف يعتمدون في مقدمة غذائهم ما تنتجه أرضهم وزراعتهم وأيديهم، ثم يختارون المستورد من أراضٍ أخرى في حالة عدم توفره في بلدهم، وتتمحور في مقولة: "نأكل أولًا ما نزرع وننتج، وآخر ما نأكل هو ما نشتريه". فمثلًا في البيئة البحرية كان الأسلاف يفضلون أكل أنواع الأسماك الغنية بالدهن أو المعروفة بقيمة غذائية وقد أثبتتها الأبحاث في الوقت المعاصر مثل: السِّكل والبِيَاح والكَنعَد الصغير والقَد والضلعة والعُومة.. إلخ، ويأتي الجيذر في قائمتهم الأخيرة. وحتى المسوحات الأثرية في رأس الحد مثلًا، دلت على عملية شوي الأسماك عند الساحل لنقلها إلى مناطق أخرى منذ العصر البرونزي، وكان العُمانيون يختارون الأسماك الأقل عمرًا، وأثبتت الأبحاث أن بعض الأسماك الكبيرة ومن ضمنها الجيذر المنتشر في أسواق عُمان من الأسماك البروتينية الجافة وبه نسبة من الفلزات.

ويعكس الوضع الغذائي اليوم مفارقة استهلاكية غريبة؛ إذ يتدافع المستهلكون لشراء سمك "الجيذر" بأسعار مرتفعة، ورغم توفر أسماك أعلى جودة وبنصف السعر أحيانًا، مثل "السكل" و"القد" و"البياح" التي تباع في بعض المواسم الكيلو بريالين، يتشبث المستهلك بالجيذر ويفضله حتى لو بلغ سعره أربعة ريالات حينها، على رغم افتقاره النسبي لعناصر غذائية حيوية مثل "الأوميجا 3" مقارنة بالأسماك الأخرى، والتي تزخر بها بحارنا وتُباع بأسعار كثيرًا ما تكون أقل ثمن، مع جودتها الغذائية التي تفوق الجيذر والسهوة الكبيرة والقرش الكبير بمراحل.

ويمتد الضعف الغذائي إلى قطاع الدواجن؛ حيث يُقبل الكثيرون على شراء الدجاج المهجن رخيص الثمن سريع النمو، متغافلين عن حقيقة مشكلته الأساسية والتي ليست في "العلف المقدم"، بل تكمن التعديل الجيني، ثم الإفراط في استخدام المضادات الحيوية والأدوية البيطرية لتسريع دورة الإنتاج. وهناك بدائل محلية طبيعية مثل الدجاج البلدي، السمان، البط، والأرانب، ويظل المستهلك يبحث عن المعروض الرخيص والجاهز بدون التفكير في الصحة والجودة.

وبصفتي كنت أحد منتجي الدواجن، توجهت لإنتاج السمان لـتغطية السوق المحلي من اللحم والبيض، وكذلك إنتاج الدجاج المحلي. لكن المشكلة الصادمة التي واجهتها هي أن المواطن لا يُقبل على هذا النوع من اللحم والبيض؛ حتى وصل بي الحال إلى تقديم البيض بالمجان وبكميات كبيرة جدًا، فقط لكي يذوقه المستهلك ويفهم قيمته الغذائية العالية، ورغم أنه مجاني تمامًا إلا أن بعض المستهلكين كانوا يرفضونه.

قمت باستطلاع غير منظم في أسواق السمك، حيث كنت أسأل المشترين عن الأسماك التي يفضلونها؛ ومن بين عشرين شخصًا، أبدى ثلاثةٌ منهم فقط عدم تفضيلهم لسمك الجيذر والسهوة وقِطَع الأسماك الكبيرة، وقد بلغ ببعضهم أنهم لم يأكلوا سمكًا غير الجيذر طيلة حياتهم، وبعضهم أخبرني أنه يأكل الأسماك الأخرى في الرحلات والمطاعم فقط، وآخر يسألني كيف يُطبخ سمك البياح مثلًا؟! ويضيف، هل هو صالح للأكل أو فقط لسكان شرق آسيا.

وبالصدفة قابلت أحد العاملين في ولاية الجازر من الجنسيات العربية الأفريقية، وكان موظفًا بشركة أسماك مرموقة، ووظيفته مسجل بيانات، وأخبرني أن أجود الأسماك كانت تصدر للخارج، والسبب أنَّ السوق العُماني لا يقبلها ويفضل الأسماك الكبيرة على رأسها الجيذر، لأن قطع اللحم مكعبة وشكلها جميل وخالية من العظام. وأظهر بعض تجار السمك عند مناقشتهم في وضع سوق السمك خصوصًا كبار السن الذين يأتون من محافظة الوسطى وجنوب الشرقية؛ ملامح الحسرة على الوضع الذي وصل له المستهلك العُماني في ثقافة استهلاك لحوم الأسماك.

تتصدر المشكلة الأكثر إيلامًا هو هجرنا للنخلة مع الأرض، فبينما يمتلك الوطن أصنافًا من التمور والرطب تُعد من الأجود عالميًا، يعزف المستهلك اليوم عن التمر المحلي الطبيعي، ويتجه نحو التمور المستوردة فقط لأنها تحظى بحجم أكبر أو لون براق جاذب بصريًا. والأكثر مرارة من ذلك، هو العزوف الجماعي عن أكل الرطب الطازج في موسمه، وتفضيل التمور المصنعة المحشوة، أو تلك الممزوجة بالطحين والزيوت مثل "المعمول والبسكويت".

إن هذا التراجع والزهد في تناول التمر كعنصر غذائي يومي يعود بالدرجة الأولى إلى انتشار الحلويات المصنعة؛ حيث باتت الشوكولاتة والكعك، والمشروبات المحلاة تملأ كل وجهة، وتستنزف حاسة التذوق لدى الأجيال الناشئة، مما خلق فجوة صحية كبرى تعزز من نسب انتشار الأمراض المزمنة في المجتمع. وهذا العزوف الاستهلاكي في ثقافة المجتمع ليس فيما ذكرت فقط، فلو طرقنا باب الإنتاج الزراعي لطال المقال وزاد الألم، وانعكس على انخفاض مستوى الصحة، وهذا بالفعل ما تشير إليه المنظمات الصحية، والسببان الرئيسيان هما: سوء الغذاء والميول إلى الراحة وقلة الجهد والنشاط.

وكما يرتبط هذا التحول الغذائي بالإعلام المعاصر؛ فالإعلانات التجارية والمسلسلات التلفزيونية ومؤثرو منصات التواصل الاجتماعي يقودون عملية "غسيل أدمغة بصري" لتغيير ثقافة المجتمع الغذائية سواء بقصد أو بدون قصد. فطريقة عرض الأطعمة، والعروض المبرقشة الفاخرة، والنقوش والتنظيم المبهر علّمت المستهلك أن يتجه للشكل والمظاهر قبل الجودة الصافية. ومن ضمن ما نتج عن هذا ابتعاد أهل البيت عن "الطوبج" وعن الطبخ داخل البيت وشراء الخبز الجاهز مثلًا مع الاعتماد على المطاعم، ما أدى إلى زيادة هائلة ومقلقة في الاعتماد على وجبات المطاعم بصورة يومية لاسيما في وجبة العشاء، مع ما تحمله هذه الوجبات من دهون مهدرجه، وأملاح زائدة، وسعرات حرارية فارغة تفتقر لأي قيمة غذائية حقيقية، مما يثقل كاهل الصحة العامة والمنظومة الطبية.

شاهد الكثير منّا بعض المقاطع المصورة والتي تجسد لنا مثلًا "شاة" محلية وهي تأكل قرطاس، وتصور الغنم والمعز ببلد آخر في مروج خضراء وهي مصدر الاستيراد، مع مقارنة بين سعر لحوم كل منهما، هذه المقاطع ما هي إلا فبركات غير مسؤولة وبعضها موجه لضرب الأمن الغذائي المحلي وتسويق المستورد. أما الصورة الحقيقية تكمن في أمرين، أولهما أن كل المواشي تأكل القرطاس لأنه مصنوع من ألياف النباتات أو يحتوي على أملاح تشتهيها الماشية، والثاني أن ما نشاهده في بلادنا من حالة الماشية ينطبق تماما على كل بيئة حسب المتوفر فيها، وإضافة أن ما يجهز للتصدير يربى أو يمر في ظروف تجارية أقرب أن تكون صناعية في كل العالم.

فوجب علينا ألا نقف عاجزين أمام هذا التحدي الثقافي والصحي، ويتطلب الأمر حراكًا سريعًا يتجاوز مجرد النصح التقليدي؛ ولذا نقترح تفعيل مجموعة من الوسائل والأدوات الحكومية والمجتمعية لتعيد بوصلة المستهلك إلى مسارها الصحي:

  1. التسعير والتوجيه الضريبي: فرض ضرائب إضافية على الأغذية فائقة المعالجة والمشروبات المحلاة، وهذا فعلًا ما لمسه المجتمع في الفترة الماضية.
  2. تقديم إعانات ودعم مباشر لمربي الدواجن والطيور المحلية (البلدي، الأرانب، السمان، البط.. إلخ) مع إيجاد مصادر للحوم الأكثر أمانًا.
  3. تثقيف المجتمع بجودة التمور العُمانية؛ فالزراعة المحلية هي تحت ظل المراقبة الإدارية في المبيدات والأسمدة المضاعفة، كما أنها لا تحتوي على نسب هائلة من السكر المذاب أو التعرض لأشعة الليزر لإبراز لونها الذهبي.
  4. تكثيف الرقابة الذكية على الإعلانات: سن تشريعات صارمة تُلزم المطاعم والشركات الغذائية بوضع بطاقة واضحة للقيمة الغذائية (بألوان إشارية مثل الأحمر والأخضر) على واجهات العروض والوجبات السريعة ليتنبه المستهلك لما يدخل جوفه.
  5. التعليم والتنشئة: إدراج مادة "الثقافة الغذائية الاستهلاكية وتاريخ المطبخ العُماني" كمادة عملية في المدارس، بحيث يتعلم الطالب كيفية التمييز بين القيمة الغذائية الحقيقية وبين الخدع البصرية والتسويقية.
  6. تطوير أسواق المنتجات المحلية: تنظيم أسواق دورية نموذجية للإنتاج المحلي الطبيعي (الأسماك غير الرائجة الشديدة الفائدة، الطيور البلدية، التمور النقية) وبطرق عرض حديثة تنافس جاذبية المنتجات المستوردة والمصنعة.
  7. على المواطن أن يفهم جيدًا أن ما يشتريه من طعام لأنه يحدد صحته، فالأشكال الجميلة والألوان المزركشة، والغذاء الملون والمصفوف للجمال لا يعني أنه الأجود والأنظف، مصدر ومصنع ومكون الغذاء هو ما يحدد جودته التي تحدد صحتك.

إنَّ العودة إلى جودة المائدة ليست نكوصًا إلى الماضي، بل هي حماية للمستقبل، وأمن بشري وصحي فاعل مستمد من ديننا الحنيف يقول الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: 31)، فلنعِد صياغة وعينا، ولنتذكر دائمًا أن صحتنا تبدأ من اختيار ما ينفع أجسادنا، لا ما يُبهِر عيوننا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z