تشو شيوان
عند متابعة الاقتصاد الصيني اليوم، تبرُز ظاهرة تستحق الاهتمام: فكلما ازدادت البيئة الخارجية تعقيدًا، أصبحت قدرة الاقتصاد الصيني على الصمود والتكيف أكثر وضوحًا.
منذ بداية العام، واجه الاقتصاد العالمي ضغوطًا متعددة، من بينها الصراعات الجيوسياسية وتصاعد الحمائية التجارية وتقلبات أسواق الطاقة. وفي ظل هذه الظروف، واصلت المؤشرات الرئيسية للاقتصاد الصيني، بما فيها التصنيع والخدمات والتجارة الخارجية، تسجيل نمو خلال الأشهر السبعة الأولى من العام. لكن الأهم من الأرقام نفسها هو ما تكشفه من تغيرات هيكلية يشهدها الاقتصاد الصيني.
أولًا: لا تزال متانة القاعدة الاقتصادية تمثل إحدى أبرز نقاط قوة الصين؛ حيث تمتلك الصين المنظومة الصناعية الأكثر اكتمالًا في العالم، إلى جانب سوق ضخمة تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة. وهذا يمنح الاقتصاد الصيني مساحة واسعة للمناورة عندما تتقلب الأسواق الدولية، كما يتيح لقطاعات واحتياجات جديدة أن توفر دعمًا للنمو عندما تمر بعض الصناعات بمرحلة من التعديل. وخلال الأشهر السبعة الأولى، ارتفعت القيمة المضافة للصناعات فوق الحجم المحدد بنسبة 5.3% على أساس سنوي، فيما سجل قطاعا تصنيع المعدات والتصنيع عالي التقنية نموًا أسرع من متوسط النمو الصناعي، وهو مؤشر مهم على متانة القاعدة الصناعية.
ثانيًا: إذا كان "الاستقرار" مهمًا، فإن ما يستحق اهتمامًا أكبر هو التجدُّد؛ فعندما كان الحديث يدور في الماضي عن الاقتصاد الصيني، كان كثيرون يفكرون في العقارات والبنية التحتية والصناعات التقليدية. أما اليوم، فإن مصادر دعم النمو تتغير. فالذكاء الاصطناعي والسيارات العاملة بالطاقة الجديدة والروبوتات وبطاريات الليثيوم والاقتصاد الرقمي وغيرها من الصناعات الجديدة تنمو بوتيرة متسارعة، كما تُستخدم التقنيات الحديثة بصورة متزايدة لتطوير الصناعات التقليدية.
وهذا يعني أن الاقتصاد الصيني يمُر بتحولٍ عميقٍ في محركات النمو؛ فالأمر لا يتعلق بمجرد إحلال صناعة جديدة محل أخرى قديمة، وإنما باستخدام التقدم التكنولوجي لرفع كفاءة المنظومة الاقتصادية بأكملها. واليوم، لم تعد القدرة التنافسية للصناعة الصينية تعتمد فقط على الحجم والتكلفة، بل تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا وكفاءة سلاسل الإمداد والقدرة على الابتكار.
ثالثًا: تتجلى مرونة الاقتصاد الصيني أيضًا في قدرته على التكيف مع الضغوط الخارجية.
وفي الوقت الراهن، تتصاعد الحمائية التجارية وتتزايد حالة عدم اليقين في البيئة الاقتصادية والتجارية الدولية. ومع ذلك، تعمل الشركات الصينية على إيجاد مساحات جديدة للنمو من خلال تنويع الأسواق والارتقاء الصناعي والابتكار التكنولوجي. وفي الوقت نفسه، تواصل الصين توسيع انفتاحها، فيما لا تزال سوقها الضخمة ومنظومتها الصناعية المتطورة تجذبان الشركات متعددة الجنسيات.
وبالطبع، لا يعني ذلك أن الاقتصاد الصيني لا يواجه تحديات؛ فما زال ضعف الطلب المحلي، وعملية التكيف في بعض القطاعات، وعدم اليقين في البيئة الخارجية، عوامل تفرض ضغوطًا حقيقية. ولذلك، لا يمكن الحكم على الاقتصاد الصيني من خلال بيانات شهر واحد أو مؤشر واحد، كما لا يمكن اختزال المشهد ببساطة في وصفه بأنه "جيد" أو "سيئ".
الأهم هو النظر إلى الاتجاه العام.
ومن هذه الزاوية، فإن أبرز ما يستحق المتابعة اليوم هو إعادة تشكيل محركات النمو في الصين: بعض المحركات التقليدية تمر بمرحلة من التكيف، بينما تزداد المحركات الجديدة قوة؛ والضغوط الخارجية تتصاعد، لكن السوق الضخمة والمنظومة الصناعية المتكاملة والابتكار المستمر لا تزال تشكل دعائم أساسية للاقتصاد.
وهذا الأمر مهم أيضًا بالنسبة للاقتصاد العالمي؛ فالصين ليست فقط دولة كبرى مصدرة للسلع، بل هي أيضًا واحدة من أكبر أسواق الاستهلاك والاستيراد في العالم، ووجهة مهمة للاستثمار. وبالتالي، فإنَّ صينًا تحافظ على النمو، وتواصل الانفتاح، وتخلق باستمرار صناعات واحتياجات جديدة، تعني المزيد من الفرص للتجارة والاستثمار والتعاون مع العالم.
لذلك، عندما نحاول فهم الاقتصاد الصيني اليوم، لا ينبغي أن نسأل فقط: كم بلغ معدل النمو؟ بل ينبغي أن نطرح سؤالًا أكثر أهمية: إلى أي نوع من الاقتصاد تتحول الصين؟
والإجابة أصبحت أكثر وضوحًا: الصين تنتقل من الاعتماد على محركات النمو التقليدية إلى نموذج يعتمد بصورة أكبر على الابتكار والارتقاء الصناعي والطلب المحلي. هذا التحول لن يحدث بين ليلة وضحاها، لكنه يمثل مفتاحًا أساسيًا لفهم مرونة الاقتصاد الصيني وإمكاناته المستقبلية.
