حمود بن سعيد البطاشي
ليست البطالة رقمًا في جدول، ولا الباحث عن عمل اسمًا ينتظر دوره في منصة إلكترونية، ولا المسرَّح من عمله حالةً انتهت بخروجها من مؤسسة، خلف كل رقم إنسانٌ درس، وتأهل، وانتظر، وخطط لحياةٍ كان العمل بوابتها الأولى؛ وخلف كل سنة تمضي دون فرصة مناسبة معرفةٌ قد تتآكل، وخبرةٌ قد تفقد بريقها، وطاقةٌ كان يُمكن أن تضيف إلى الاقتصاد بدل أن تبقى على هامشه.
ومن هنا، ربما ينبغي أن نُغيّر السؤال. بدل أن نسأل: كم عدد الباحثين عن عمل؟ علينا أن نسأل: كم يخسر الاقتصاد حين تبقى هذه الطاقات خارج دائرة الإنتاج؟
عُمان اليوم تمضي في مشروع تنموي واسع، وتفتح أبوابًا جديدة في الاستثمار والسياحة واللوجستيات والتعدين والتقنية والصناعات والطاقة المتجددة وغيرها من القطاعات الواعدة. وفي قلب هذه التحولات يقف الإنسان العُماني باعتباره الغاية من التنمية وأداتها في الوقت ذاته. ولذلك فإنَّ نجاح أي نمو اقتصادي لا يُقاس فقط بحجم المشاريع والاستثمارات، وإنما بمقدار ما تصنعه هذه المشاريع من قيمة مضافة وفرص مستدامة لأبناء الوطن.
وهنا تكمن المسألة؛ فالباحث عن عمل ليس عبئًا ينتظر من الدولة أن تحمله، والمسرَّح ليس رقمًا ينبغي البحث له عن مقعد شاغر فحسب؛ كلاهما رأس مال بشري أنفقت الأسرة والدولة والمجتمع سنوات طويلة في تعليمه وتأهيله. وترك هذا الرأس البشري خارج دورة الإنتاج مدة طويلة ليس خسارة للفرد وحده، وإنما خسارة اقتصادية لا تظهر دائمًا في دفاتر الحسابات.
والأكثر أهمية أن ملف الباحثين عن عمل والمسرَّحين لا ينبغي أن يبقى أسير مفهوم «الوظيفة» بمعناها التقليدي. العالم تغيّر، وطبيعة الاقتصاد تغيّرت، وفرص المستقبل لم تعد جميعها خلف مكتب حكومي أو وظيفة ثابتة. لكن الانتقال من ثقافة انتظار الوظيفة إلى صناعة الفرصة لا يمكن أن يكون شعارًا نحمّل به الشاب مسؤولية مستقبله ثم نتركه وحيدًا أمام السوق.
صناعة الفرصة تحتاج هي الأخرى إلى فرصة، تحتاج إلى تشريعات مرنة، وتمويل يمكن الوصول إليه، وأسواق تستوعب المنتج، وعقود تمنح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة نصيبًا حقيقيًا من النشاط الاقتصادي، وتدريب مرتبط بحاجة السوق لا بشهادة أخرى تضاف إلى الملف، وبيئة تجعل المبادرة ممكنة لا مغامرةً قد تنتهي بصاحبها إلى مزيد من الالتزامات.
وفي المقابل، يحتاج القطاع الخاص إلى معادلة أكثر توازنًا؛ فلا يُنظر إليه باعتباره مجرد بوابة لاستيعاب الأعداد، وإنما شريكًا في صناعة الوظائف والإنتاج. ويمكن للحوافز والتسهيلات والعقود والمزايا الحكومية أن ترتبط بصورة أكبر بقدرة المؤسسات على إيجاد وظائف نوعية ومستدامة، ونقل المعرفة، وتدريب الكفاءات الوطنية، وإحلالها حيثما توافرت القدرة والخبرة.
أما المُسرَّحون من أعمالهم، فلهم خصوصية لا ينبغي إغفالها. فنحن نتحدث في كثير من الحالات عن أشخاص يمتلكون سنوات من الخبرة العملية والتخصصية. وإعادة هؤلاء إلى سوق العمل أسرع وأقل كلفة من ترك خبراتهم تتراجع ثم البدء من جديد في تأهيل بدائل عنها. ولذلك فإن وجود مسار وطني سريع لإعادة توظيف أصحاب الخبرة، وربط بياناتهم مباشرة بالقطاعات والمشاريع التي تحتاج تخصصاتهم، يمكن أن يحول التسريح من نهاية مهنية إلى انتقال منظم بين فرص الاقتصاد.
وفي عالم تتسارع فيه التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية، يصبح العمل أكثر من مصدر دخل. إنه أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي والمناعة الوطنية؛ فالإنسان الذي يرى لنفسه مكانًا في اقتصاد وطنه، ويشعر بأن جهده ومعرفته يجدان الطريق إلى الإنتاج، يكون أكثر قدرة على بناء أسرته والمشاركة في تنمية مجتمعه والنظر إلى المستقبل بثقة.
لدينا اليوم رؤية وطنية طموحة، ومشروعات كبرى، وقطاعات اقتصادية تنمو، وشباب متعلم، وأصحاب خبرات تراكمت على مدى سنوات. وما نحتاجه هو أن تلتقي هذه المسارات في نقطة واحدة: أن تتحول التنمية إلى فرص، وأن تتحول الفرص إلى إنتاج، وأن يكون المواطن في قلب هذه الدورة لا على هامشها؛ فالاقتصادات القوية لا تُبنى بكثرة المشاريع وحدها، بل بقدرتها على اكتشاف الإنسان القادر على تشغيل تلك المشاريع وتطويرها وصناعة ما بعدها.
ولذلك، فإن القضية لم تعد قضية باحث عن عمل ينتظر وظيفة، ولا مسرَّح يبحث عن فرصة ثانية؛ إنها قضية اقتصاد يمتلك طاقة بشرية ثمينة، وعليه أن يحسن استثمارها؛ فالمال إذا تعطّل يمكن إعادة استثماره، والمشروع إذا تأخر يمكن استدراكه؛ أما الإنسان حين تمضي سنوات قدرته في الانتظار، فإن ما نخسره من عمره وخبرته لا تعيده أي موازنة.
ولهذا يبقى السؤال الذي يستحق أن يوضع أمام كل سياسة تشغيل وكل مشروع واستثمار جديد: كم يكلف الوطن أن يبقى أحد أبنائه القادرين على العطاء خارج دائرة الإنتاج؟
