خريف ظفار.. حين تصبح الاستدامة جزءًا من الجمال

 

 

 

أحمد الفقيه العجيلي

إذا كنا نتطلع إلى أن يصبح خريف ظفار نافذة تطل منها عُمان على العالم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف نحافظ على هذا الجمال مع تزايد أعداد الزوار عامًا بعد عام؟

قد يبدو السؤال للوهلة الأولى بيئيًا بحتًا، لكنه في الحقيقة سؤال سياحي واقتصادي أيضًا. فكلما نجحت ظفار في استقطاب المزيد من الزوار، ازدادت الحاجة إلى حماية المقومات التي جاء هؤلاء الناس من أجلها.

وإذا كانت الطبيعة هي رأس المال الأول للسياحة في المحافظة، فإن الحفاظ عليها مسؤولية مشتركة تبدأ من الجهات التي تخطط وتدير، وتمتد إلى المستثمر والزائر والمجتمع المحلي، لأن حماية هذا المورد تعني في النهاية حماية مستقبل السياحة نفسها؛ فالسائح لا يأتي إلى ظفار بحثًا عن المباني والمنشآت وحدها، وإنما يأتي من أجل الجبال الخضراء، والضباب، والأودية، والعيون، والشواطئ، والمزارع، وذلك المشهد الذي يمنح المكان خصوصيته.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي في السنوات القادمة لن يكون فقط: كيف نستقبل أعدادًا أكبر من الزوار؟ بل سيكون أيضًا: كيف نستقبلهم دون أن يفقد المكان شيئًا من جماله؟

وهنا تبدأ فكرة السياحة المستدامة.

السياحة البيئية لا تعني أن نغلق الطبيعة أمام الناس، ولا أن نضع قيودًا تجعل الاستفادة منها أمرًا صعبًا، وإنما أن نفتحها للزائر بطريقة تحافظ عليها في الوقت نفسه؛ فالغاية ليست أن نستمتع بالمكان اليوم، ثم نكتشف بعد سنوات أن كثرة الاستخدام أضعفت ما كان يجذب الناس إليه.

وظفار تملك في هذا المجال فرصة كبيرة. فالعيون والأودية والجبال ليست مجرد مواقع للزيارة والتصوير، بل منظومة طبيعية متكاملة تحتاج إلى إدارة واعية، خصوصًا في المواقع التي تشهد كثافة كبيرة خلال موسم الخريف.

وقد يكون من الضروري تحديد الطاقة الاستيعابية لبعض المواقع الحساسة، وتنظيم حركة المركبات، وتوفير مسارات واضحة للمشاة، ووضع مرافق مناسبة للزوار دون تشويه طبيعة المكان. كما أن بعض المواقع قد تحتاج إلى تنظيم الزيارة إليها في أوقات معينة، إذا كان ذلك ضروريًا لحمايتها؛ فالطبيعة لا تستطيع أن تستوعب أعدادًا بلا حدود، وهذه حقيقة يجب أن تدخل في صميم التخطيط السياحي، لا أن تأتي بعد ظهور المشكلة.

ومن أكثر المشاهد التي ينبغي ألا نعتاد عليها خلال الموسم تلك المخلفات التي يتركها بعض الزوار في المواقع الطبيعية.

أكياس، وعبوات، وبقايا طعام، ومخلفات تتراكم في أماكن يفترض أن تكون من أجمل ما يراه الزائر. وهنا لا تكفي زيادة عدد عمال النظافة، رغم أهميتها. نحن بحاجة أيضًا إلى تغيير في طريقة التعامل مع النفايات، من خلال توفير الحاويات المناسبة، وتوزيعها بطريقة مدروسة، وتسهيل عمليات الجمع، وتشجيع الفرز وإعادة التدوير، والأهم من ذلك نشر ثقافة تجعل الزائر يشعر بأن المحافظة على المكان جزء من تجربته، وليست مسؤولية الآخرين وحدهم.

إن أفضل رسالة يمكن أن تقدمها ظفار للسائح ليست لوحة تقول له «حافظ على نظافة المكان»، وإنما أن يجد المكان نظيفًا ومنظمًا منذ لحظة وصوله.

ولا ينبغي أن تتحول المحافظة على البيئة إلى ذريعة لتعطيل التنمية؛ فظفار تحتاج إلى الاستثمار، وتحتاج إلى الفنادق والمرافق والخدمات ووسائل النقل والفعاليات، وهذه كلها ضرورية لبناء اقتصاد سياحي قوي.

لكن المعادلة الصحيحة هي أن نسأل قبل تنفيذ أي مشروع: كيف نستطيع أن ننمي المكان دون أن نفقد ما يميزه؟

قد تكون بعض المشاريع أكبر من حاجة الموقع، وقد يكون بعضها الآخر مناسبًا إذا صُمم بطريقة مختلفة.

وقد يكون الحل أحيانًا في توزيع المشاريع والفعاليات على مناطق متعددة بدل تركيزها في مواقع محدودة، بما يخفف الضغط ويمنح مناطق أخرى فرصة للاستفادة من الحركة السياحية.

وهذا يقودنا إلى فكرة مهمة: الاستدامة ليست أن نقول «لا» لكل مشروع، وإنما أن نتعلم كيف نقول نعم للمشروع المناسب، في المكان المناسب، وبالحجم المناسب.

وقد تمتد السياحة البيئية إلى المجتمع المحلي نفسه، من خلال اختيار بعض المواقع الطبيعية والزراعية وتأهيلها لتكون وجهات سياحية منظمة، مع تدريب أبناء المناطق القريبة منها على الإرشاد والتعريف بالمكان وإدارة التجربة السياحية؛ فالمزارع يمكن أن يعرّف الزائر بحياته الزراعية، والحرفي بصناعته، وأحد أبناء المنطقة بتاريخ المكان وطبيعته، ليصبح أهل المكان جزءًا من التجربة التي يأتي السائح من أجلها، ومستفيدين منها في الوقت نفسه.

وهنا لا تعود السياحة نشاطًا يجري فوق أرض ظفار فقط، بل تصبح نشاطًا يشارك فيه أهلها ويستفيدون منه، مع الحفاظ على طبيعة المكان وخصوصيته.

أما المجتمع المحلي، فهو ليس بعيدًا عن هذه المعادلة، بل يعيش آثار الموسم بكل تفاصيلها. فالازدحام الذي تشهده الطرق والمواقع السياحية خلال الخريف لا يزعج الزائر وحده، وإنما ينعكس على حياة السكان أنفسهم، حتى إن كثيرًا من الأسر تفضل البقاء في منازلها خلال أوقات الذروة، ولا تخرج إلا للضرورة.

ولذلك فإن نجاح الموسم لا ينبغي أن يُقاس بعدد الزوار وحده، بل بقدرتنا على إدارة هذا العدد بطريقة لا تجعل الموسم عبئًا على حياة السكان.

وهنا تصبح معالجة الازدحام جزءًا من الاستدامة نفسها، من خلال توزيع الفعاليات والمواقع السياحية، وتنظيم حركة المركبات، وتطوير وسائل النقل، وتهيئة مواقع جديدة تستوعب جزءًا من الحركة بدل تركّزها في نقاط محدودة؛ فالسياحة الناجحة هي التي تمنح الزائر تجربة جيدة، ولا تجعل حياة السكان تتوقف طوال الموسم.

والثقافة السياحية التي تحدثنا عنها في المقال السابق لا تنفصل هنا عن الثقافة البيئية؛ فالزائر يحتاج إلى أن يعرف كيف يتعامل مع المكان، والمجتمع يحتاج كذلك إلى أن يكون شريكًا في المحافظة عليه، لأن نجاح السياحة لا يعني فقط زيادة أعداد القادمين، وإنما يعني أن تبقى المواقع جميلة وصالحة وقادرة على استقبال الزوار بعد سنوات طويلة.

وإذا أردنا أن تصبح ظفار وجهة سياحية عالمية، فعلينا أن ندرك أن شهرة المكان قد تكون سلاحًا ذا حدين؛ فهي تجلب الزوار والاستثمارات، لكنها في الوقت نفسه تضع الطبيعة أمام اختبار حقيقي.

وكلما زادت شهرة ظفار، أصبحت مسؤوليتنا أكبر.

قد لا يشعر الزائر بأهمية شجرة أو عين ماء أو وادٍ بعيد، لكنه قد يكون أحد الأسباب التي تجعله يقرر العودة إلى ظفار بعد عام.

وما يبدو لنا جزءًا عاديًا من المشهد قد يكون بالنسبة إليه سبب الرحلة كلها.

لهذا فإن حماية الطبيعة ليست فقط حماية للبيئة، وإنما حماية لصورة ظفار في ذاكرة من يزورها.

وهنا أعود إلى الفكرة التي بدأنا منها في المقال الأول: خريف ظفار ليس مجرد موسم، وإنما فرصة اقتصادية.

ثم ذهبنا في المقال الثاني إلى أبعد من ذلك، وتساءلنا كيف يمكن أن يصبح الموسم نافذة تطل منها عُمان على العالم.

أما اليوم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف نحافظ على هذه النافذة مفتوحة، وعلى المشهد الذي يطل منه العالم علينا جميلًا كما هو؟

الإجابة تبدأ من إدراك بسيط: أن الطبيعة ليست موردًا نستهلكه ثم نبحث عن بديل له، بل هي أصل الثروة السياحية نفسها.

قد نستطيع بناء فندق جديد خلال سنوات، وإقامة فعالية جديدة خلال أشهر، وإنشاء طريق أو مرفق سياحي في وقت محدد، لكننا لا نستطيع أن نصنع جبلًا أخضر بالطريقة نفسها، ولا أن نعيد عينًا أو واديًا إلى حالته الأولى إذا فقد توازنه الطبيعي.

ولهذا فإن أفضل استثمار في السياحة هو أن يبقى المكان جميلًا بعد مغادرة آخر زائر. فإذا نجحنا في ذلك، فلن يكون خريف ظفار موسمًا يستفيد منه جيل واحد، بل إرثًا اقتصاديًا وسياحيًا وبيئيًا تستطيع الأجيال القادمة أن تبني عليه، كما نبني نحن اليوم على الجمال الذي ورثناه.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z