محمد بن درويش البلوشي
ليست الدبلوماسية الاقتصادية مجرد امتداد للسياسة الخارجية، بل أصبحت اليوم جزءًا من السياسة الاقتصادية نفسها. فمن خلالها تُبنى الثقة، وتُفتح الأسواق، وتلتقي مجتمعات الأعمال، وتتحول العلاقات بين الدول إلى فرص استثمارية وشراكات قادرة على صناعة قيمة مضافة للاقتصاد. ومن هذا المنظور، اكتسبت الدبلوماسية الاقتصادية مكانتها بوصفها إحدى الركائز الرئيسة التي تستند إليها الدول في دعم التنمية وتعزيز انفتاحها على الاقتصاد العالمي.
ومن هذا المنطلق، تمضي سلطنة عُمان، في ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- في ترسيخ نهج اقتصادي يقوم على الانفتاح، وبناء الثقة، وتوسيع الشراكات الدولية، وتمكين القطاع الخاص من أداء دور أكبر في التنمية. ويُنظر إلى هذا التوجه باعتباره أحد أبرز ملامح النهضة المتجددة، التي جعلت من التكامل بين القطاعين العام والخاص ركيزةً لتعزيز بيئة الأعمال، واستقطاب الاستثمارات النوعية، وترسيخ مكانة سلطنة عُمان شريكًا اقتصاديًا موثوقًا على المستويين الإقليمي والدولي.
ويُعد اتساع شبكة الشراكات الاقتصادية الدولية مؤشرًا مُهمًا على حيوية الاقتصاد وقدرته على التفاعل مع المتغيرات العالمية. فكلما تنوعت قنوات التعاون، واتسعت جسور التواصل بين مجتمعات الأعمال، توافرت فرص أكبر لتبادل الخبرات، واستكشاف الاستثمارات، وبناء علاقات اقتصادية قادرة على تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني. ومن هذا المنظور، تمثل الدبلوماسية الاقتصادية نهجًا عمليًا يعزز حضور الدول في الاقتصاد العالمي، ويهيئ بيئة أكثر قدرة على استقطاب الفرص وتحفيز النمو المستدام.
وتبرز الزيارة الرسمية التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- إلى الجمهورية الفرنسية نموذجًا عمليًا يجسد هذا النهج الاقتصادي؛ إذ حملت إلى جانب أبعادها السياسية والدبلوماسية حضورًا اقتصاديًا واضحًا، تجسَّد في عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين مؤسسات وشركات عُمانية وفرنسية، شملت القطاعين العام والخاص. وفي قلب هذا الحراك، شكّل منتدى رجال الأعمال العُماني الفرنسي الذي نظمته غرفة تجارة وصناعة عُمان بالشراكة مع منظمة اتحاد الشركات الفرنسية الدولية، وبالتعاون مع وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار وجهاز الاستثمار العُماني، منصةً رئيسية للحوار المباشر بين مجتمعي الأعمال في البلدين، وشهد توقيع اتفاقيات بين شركات عُمانية وفرنسية، فاتحًا بذلك آفاقًا جديدة للتعاون والاستثمار في قطاعات المستقبل.
كما أن تفضّل حضرة صاحب الجلالة- حفظه الله ورعاه- بمعية فخامة رئيس الجمهورية الفرنسية، بحضور أعمال المنتدى، عكس ما يحظى به التعاون الاقتصادي من أولوية في مسار العلاقات العُمانية الفرنسية، وأضفى على المنتدى بُعدًا استراتيجيًا يؤكد أهمية الحوار المباشر بين مجتمعي الأعمال، ودور القطاع الخاص في توسيع آفاق التعاون، وبناء شراكات اقتصادية نوعية تخدم المصالح المشتركة.
وقد عكس المنتدى رؤية تقوم على أنَّ ازدهار العلاقات الاقتصادية بين الدول يبدأ من بناء جسور التواصل بين القطاع الخاص، وإيجاد منصات تجمع أصحاب الأعمال والمستثمرين في بيئة تُتيح تبادل الأفكار، واستكشاف الفرص، وبناء الثقة. وعندما تتوافر هذه العناصر، تصبح العلاقات الاقتصادية أكثر قدرة على الاستمرار، وأكثر إسهامًا في تحقيق المصالح المشتركة، وتعزيز حركة التجارة والاستثمار بين البلدين.
وفي إطار هذا النهج، تواصل المؤسسات الوطنية أداء أدوارها في ترجمة مستهدفات الدبلوماسية الاقتصادية إلى مبادرات عملية، كلٌّ وفق اختصاصه. وتأتي غرفة تجارة وصناعة عُمان، بوصفها الممثل الرسمي للقطاع الخاص، لتؤدي دورها في بناء جسور التواصل مع غرف التجارة ومجتمعات الأعمال حول العالم، وتنظيم منتديات الأعمال، وتسيير واستقبال الوفود التجارية، بما يتيح لأصحاب الأعمال العُمانيين فرصًا أوسع لاستكشاف الأسواق، وبناء العلاقات التجارية، وتعزيز حضورهم في مختلف القطاعات الاقتصادية، بما ينسجم مع مستهدفات التنمية الاقتصادية ورؤية "عُمان 2040".
لقد أصبحت منتديات الأعمال منصات اقتصادية متخصصة تُهيئ بيئة مواتية للتواصل المباشر بين الشركات، وتبادل الخبرات، واستكشاف الفرص الاستثمارية، بما يسهم في بناء شراكات جديدة وتعزيز التعاون الاقتصادي. ومن خلال هذا الدور، تكتسب العلاقات بين الدول بُعدًا عمليًا يترجم التقارب إلى مبادرات ومشروعات تنعكس آثارها على التجارة والاستثمار.
وتواصل سلطنة عُمان ترسيخ حضورها الاقتصادي عبر نهج متوازن يقوم على الانفتاح، وبناء الثقة، وتعزيز التعاون الدولي، وتمكين القطاع الخاص من أداء دور أكبر في التنمية. ويُؤكد هذا النهج أنَّ الدبلوماسية الاقتصادية لم تعد خيارًا تكميليًا في العلاقات بين الدول، بل أصبحت ركيزة أساسية لبناء اقتصادات أكثر تنافسية واستدامة، وجسرًا فاعلًا لربط الطموحات الوطنية بالفرص العالمية، بما يُعزز مكانة سلطنة عُمان شريكًا اقتصاديًا موثوقًا ووجهةً جاذبةً للاستثمار في الحاضر والمستقبل.
