◄ الوساطة والتوفيق والمصالحة والتحكيم: أوجه الاتفاق والاختلاف
د. أحمد بن محمد بن راشد الهنائي **
"لا يكفي البحث عن حل للنزاع، بل ينبغي أولًا اختيار الوسيلة القانونية الأكثر ملاءمة، فلكل وسيلة طبيعتها وإجراءاتها وآثارها".
تثير وسائل تسوية المنازعات البديلة – الوساطة والتوفيق والمصالحة والتحكيم – اللبس والغموض من حيث أوجه التماثل والتباين فيما بينها، عوضًا عن استخدام البعض لهذه الوسائل على كونها مصطلحات مترادفة بالرغم من اختلاف الطبيعة القانونية الحاكمة لكل منها، إضافة إلى التباين في الإجراءات المتبعة، وما ينتج عنها من آثار قانونية.
ولا جرم أن إدراك الأفراد والمؤسسات الحكومية والخاصة للتباين فيما بين هذه الوسائل يساعدهم على اختيار الوسيلة الأنسب لتسوية نزاعاتهم، وذلك توطيدًا للثقة، وتعزيزًا للتسوية الودية للنزاعات بما يحقق العدالة الناجزة ويحافظ على الاستقرار العلائقي بين الأطراف محل النزاع.
وتأسيسًا على ذلك، فإنَّ أوجه الاتفاق والاختلاف يمكن إيجازها على النحو الآتي:
أولًا: أوجه الاتفاق:
تشترك هذه الوسائل- الوساطة والتوفيق والمصالحة والتحكيم- في مجموعة من الخصائص المشتركة؛ أبرزها:
- السعي إلى تسوية النزاعات خارج أروقة المحاكم القضائية.
- تقليل التكاليف المالية والجهد مقارنة بالدعاوي القضائية.
- توفير السرية والخصوصية في إطار ضيق ومُحَكٍّم للغاية.
- المساهمة في تخفيف العبء على الجهات القضائية.
- صون الحقوق واستقرار العلاقات بين أطراف النزاع.
- تعزيز مبدأ سلطان الإرادة بمنح الأطراف دور أكبر في اختيار آلية تسوية النزاع.
ثانيًا: أوجه الاختلاف:
- الوساطة: يقوم الوسيط بإدارة الحوار وتقريب وجهات النظر، دون أن يفرض على الأطراف حل معين، ويظل الاتفاق وليد إرادتهم الحرة.
- التوفيق: يقوم الموفق بدور أكثر فاعلية من الوسيط، إذ قد يقترح حلولًا وتوصيات تساعد الأطراف على انهاء النزاع، إلا أن هذه المقترحات لا تكون ملزمة إلا إذا قبلها الأطراف.
- المصالحة: المصلح يقوم بتقريب وجهات النظر عبر توجيه الأطراف إلى تقديم تنازلات متبادلة للوصول إلى اتفاق ينهي النزاع، ويكتسب الاتفاق قوته القانونية وفقًا للإجراءات المقررة في النظام القانوني للدولة.
- التحكيم: يختلف التحكيم عن الوسائل السابقة في كونه وسيلة ذات طبيعة قضائية خاصة – شبه قضائية – إذ يقوم المُحَكٍّم بالفصل في النزاع بإصدار حكم ملزم للأطراف، شريطة أن يكون قابلًا للتنفيذ وفقًا للقانون.
ثالثًا: مقارنة موجزة بين الوسائل القضائية البديلة:
يتولى الطرف الثالث الوسيط إدارة الحوار وتقريب وجهات النظر، في حين يقوم الموفق باقتراح حلول غير ملزمة، ويساعد المصلح على انهاء النزاع بالتراضي، ويفصل المُحَكٍّم في النزاع بحكم الزامي.
وترتب هذه الوسائل جملة من النتائج، فالوساطة تكون وفق اتفاق اختياري، والموفق يضع اتفاق يتطلب قبوله من الأطراف، في حين الصلح يكون ملزمًا بعد استكمال إجراءاته، وعلى خلاف ذلك يكون حكم المُحَكٍّم ملزم وقابل للتنفيذ وفق النظام القانوني الحاكم للدولة.
رابعًا: مقارنة الأفضلية بين الوسائل القضائية البديلة:
البين أنه لا توجد وسيلة تصلح لكافة النزاعات، وإنما يتوقف اختيار الوسيلة على الطبيعة العلائقية بين الأطراف، وقيمة النزاع، ومدى الرغبة في المحافظة على استقرار العلاقات، والحاجة إلى قرار ملزم أو حل توافقي. لذلك فان الوسائل البديلة لا تتنافس فيما بينها، بل تتكامل لتحقيق العدالة وفقًا للظروف المحيطة بكل نزاع على حدة.
وصفوة القول، إن إدراك أفراد المجتمع ومؤسساته للفوارق بين الوسائل القضائية البديلة يسهم في تعزيز الثقافة القانونية، ويمكن الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين من اختيار الوسيلة الملاءمة لمصالحهم المشتركة، فالغاية ليست محدودة بمجرد التوصل إلى حل النزاع، بل تمتد إلى تسوية تحقيق العدالة الناجزة، والمحافظة على الحقوق، وتوطيد العلاقات، وصون استقرار المعاملات.
وبالبناء على ما تقدم، نوصي الجهات المختصة بدراسة التوصيات الآتية:
- قيام المُشرِّع العُماني بتطوير الأطر التشريعية والتنظيمية بما يحقق التكامل بين القضاء العدلي والقضاء البديل.
- قيام الجهة المختصة بنشر الثقافة القانونية في المجتمع بأهمية اللجوء إلى الوسائل البديلة للقضاء.
- قيام المؤسسات العامة والخاصة بإدراج بنود صريحة في العقود التي تبرمها، تحدد من خلالها وسيلة تسوية النزاع في حالة نشوئه.
- تعزيز الدور التكاملي بين القضاء ووسائل التسوية الودية، وذلك بترسيخ ثقافة العدالة التوافقية والتخفيف من النزاعات القضائية.
- قيام الجهة المختصة بإعداد برامج تدريب وورش عمل تأهيلية للمختصين في مجالات الوساطة والتوفيق والمصالحة والتحكيم وفق معايير مهنية.
ومن الجدير بالذكر أن الخلط بين هذه الوسائل لا يؤدي فقط إلى اضطراب المفاهيم القانونية، بل قد يدفع الأطراف إلى اختيار وسيلة لا تتناسب مع طبيعة نزاعهم، فتضيع فرص التسوية المبكرة وتزداد التكلفة المالية ويهدر الوقت.
ولئن كان حسن اختيار وسيلة التسوية يمثل الخطوة الأولى نحو إيجاد الحل، فان نجاح الوساطة نفسها يبقى مرهونًا بجملة من المبادئ الحاكمة التي تكفل نزاهتها وفاعليتها، وهذا ما سوف نستكمله في المقال الثالث من سلسلة "الوساطة والتسوية الودية: رؤية قانونية معاصرة"، بعنوان: "المبادئ الحاكمة للوساطة: السرية، الحياد، والاستقلالية".
** استشاري وخبير في الوساطة والتسوية الودية
