◄ المبادئ الحاكمة للوساطة: السرية والحياد والاستقلالية
د. أحمد بن محمد بن راشد الهنائي **
"لا تبنى الثقة في الوساطة بمجرد رغبة الأطراف في التسوية، وإنما عبر منظومة من الضمانات تكفل سرية الحوار، وحياد الوسيط، واستقلال إرادته عن كل تأثير أو مصلحة".
من نافلة القول أنَّ فاعلية الوساطة لا تقاس بقدرتها على إنهاء النزاع والوصول إلى تسوية، وإنما بمدى سلامة البيئة التي تجري فيها المفاوضات، والثقة التي يشعر بها أطراف النزاع تجاه الوسيط والإجراءات المتبعة ابتداءً من تقديم طلب الوساطة مرورًا بمراحلها المختلفة ووصولاً إلى الوصول إلى تسوية بإنهاء النزاع.
وغني عن البيان أن هذه الإجراءات يجب أن تحاط بمجموعة من المبادئ الأساسية التي تشكل ضمانات جوهرية لنجاحها، وأبرز تلك المبادئ: السرية، والحياد، والاستقلالية. وهي مبادئ لا تمثل مجرد قواعد أخلاقية تحكم سلوك الوسيط، بل تتعدى ذلك في كونها منظومة مترابطة تمنح الوساطة مشروعيتها المهنية، وتوفر للأطراف مساحة آمنة للحوار والتفاوض، وتضمن سير عملية التسوية بعيدًا عن الانحياز أو التأثير أو استغلال المعلومات المتبادلة أو أي مصالح أخرى للوسيط أو أحد أطراف النزاع.
ولبيان ذلك نستعرض هذه المبادئ على النحو الآتي:
أولاً: السرية: صمام الثقة وحرية التفاوض
تعد السرية من أبرز الخصائص التي تميز الوساطة، إذ يحتاج الأطراف إلى الاطمئنان إلى أن ما يقدمونه من معلومات أو مقترحات أو تنازلات أثناء سير جلساتها، وألا تتحول لاحقًا إلى أداة تستخدم ضدهم.
وتتجلى أهمية السرية بصورة خاصة في المنازعات التجارية والأسرية والمؤسسية، التي قد ترتبط بالإفصاح عن تفاصيلها بمصالح مالية أو اجتماعية أو مهنية تتجاوز حدود النزاع ذاته. ومن ثم فإن السرية لا تحمي المعلومات فحسب، وإنما تحرر عملية التفاوض ذاتها، كونها تشجع الأطراف على الإفصاح عن مصالحهم الحقيقية ومناقشة البدائل، وتقديم التنازلات الممكنة دون الخشية من أن يفسر ذلك بوصفة إقرارًا بالمسؤولية أو ضعفًا في المركز القانوني للطرف المفصح.
وبطبيعة الحال ليست السرية أن تكون بالضرورة مبدأ مطلقاً، فقد ترد عليها استثناءات يقررها القانون أو تقتضيها اعتبارات تتعلق بتنفيذ اتفاق التسوية أو غير ذلك من الحالات التي يحددها الإطار التشريعي المنظم للوساطة.
ثانيًا: الحياد: مسافة واحدة بين أطراف النزاع
لئن كانت السرية تبني الثقة في الإجراءات، فإنَّ الحياد يبني الثقة في الوسيط. حيث إن الوسيط لا يمثل أيًا من أطراف النزاع، ولا تتمثل مهمته في تحديد من هو المحق ومن هو المخطئ، عوضًا عن عدم امتلاكه فرض حل معين على المتخاصمين. إذ تنحصر وظيفته في إدارة الحوار، وتقريب وجهات النظر، ومساعدة الأطراف على استكشاف مصالحهم والبدائل التي يمكن أن تقودهم إلى تسوية مقبولة من كافة الأطراف.
ولا مشاحة في القول بوجوب قيام الوسيط بمعاملة الأطراف على قدم المساواة، وأن يمنح كل طرف فرصة عادلة لعرض موقفه، وألا يظهر في أقواله أو أفعاله ما يمكن أن يفهم منه تفضيل طرف على آخر. ومن ثم لا يكفي أن يقف الوسيط في موقف الحياد فقط، بل يجب عليه أن يظهر هذا الحياد للأطراف محل النزاع، لدرجة استشعارهم بذلك الحياد، كون الثقة في الوساطة قد تتأثر بمجرد وجود ظروف موضوعية تثير أدنى الشكوك حول الانحياز لأي طرف.
ثالثًا: الاستقلالية: حماية الوسيط من التأثير وتضارب المصالح
تعد الاستقلالية والحياد وجهين لعملة واحدة، إذ يرتبطان معًا ارتباطًا وثيقًا، إلا أنهما في الوقت ذاته لا يتطابقان، فالحياد يتعلق أساسًا بموقف الوسيط من أطراف النزاع ومصالحهم، في المقابل تتصل الاستقلالية بعلاقة الوسيط وظروفه والمصالح أو المؤثرات التي قد تؤثر في أداء مهمته. ويقتضي ذلك ألا تكون للوسيط مصلحة شخصية فيما تؤول إليه نتيجة النزاع، وعدم ارتباطه بأي علاقة من أحد أطراف النزاع يكون من شأنها التأثير في قراراته أو إثارة الشك في شأن قدرته على أداء مهمته بصورة مستقلة بعيدة عن أي انحياز أو مصلحة مباشرة أو غير مباشرة.
وفي حال وجود أي علاقة أو مصلحة يرتبط بها الوسيط مع أحد أطراف النزاع، فيجب عليه الإفصاح عنها وبيانها لكافة الأطراف حتى لا يؤدي ذلك إلى تسلل الشك أو الريبة لدى الطرف الآخر، سواء أكانت تلك العلاقة أو المصلحة قد توفرت قبل بدأ الوسيط لمهمته أو ظهرت أثناء سير عملية الوساطة، وذلك بغية أن يكون كافة الأطراف على بينة من الأمر، وترسيخًا للثقة القائمة على نزاهة الوسيط واستقلاله.
رابعًا: منظومة واحدة لا ضمانات منفصلة
لئن كانت السرية والحياد والاستقلالية تم تناول كل منهم على حدة، فالبين من الواقع العملي أن جميعها تعمل في إطار منظومة واحدة متكاملة، إذ إن الحفاظ على سرية المعلومات الخاصة بأطراف النزاع في ظل غياب حياد الوسيط لا يكفي لبناء الثقة، وهذا الحياد بدوره إذا لم يعضد باستقلالية في اتخاذ القرار وعدم التأثير في إجراءات الوساطة ووجود ضبابية في عدم وضوح قواعد السرية فإن ذلك لا يوفر للأطراف البيئة الآمنة اللازمة لسير العملية التفاوضية.
وصفوة القول إن جودة نظام الوساطة لا تقاس فقط بسرعة الوصول إلى التسوية أو بعدد النزاعات التي يتم إنهاؤها، وإنما تقاس كذلك بقوة الضمانات التي تحيط بمراحل الوساطة وإجراءاتها وبمدى التزام الوسيط بالمبادئ التي تحقق ثقة الأطراف وتصون سلامة الإجراءات. ومن ثم فإن السرية والحياد والاستقلالية ركائز أساسية لتحقيق وساطة مهنية موثوقة، فكلما كانت هذه المبادئ مقننة في التشريع، ومقيدة في الممارسة ازدادت معها ثقة الأفراد والمؤسسات في اللجوء إلى الوساطة بوصفها وسيلة فاعلة لتسوية النزاعات. لذلك فهي ليست مجرد مبادئ إجرائية تحكم ممارسة الوساطة، وإنما ضمانات جوهرية تؤسس للثقة، وتصون إرادة الأطراف، وتعزز القدرة على الوصول إلى تسويات عادلة ومستدامة.
وبالنظر إلى أهمية المبادئ الحاكمة للوساطة في تحقيق النتائج المنشودة منها، فإنني أوصي الجهات المختصة بدراسة التوصيات الآتية:
- قيام وزارة التعليم بإدراج منهج خاص بوسائل التسوية الودية إلى مناهج التعليم للصفوف العليا من مدارس التعليم العام.
- قيام كليات الحقوق بتخصيص مقرر علمي للقضاء البديل ضمن مقررات المرحلة الجامعية لطلبة القانون.
- قيام الجهات القضائية المختصة عند اعتماد محضر تسوية نزاع بالتثبت من قيام الوسيط بالالتزام بالمبادئ الحاكمة لوسائل التسوية الودية.
** استشاري وخبير في الوساطة والتسوية الودية
