القضاء.. بين الوظيفة والمهنة والعقيدة

 

 

 

د. محمود سعيد البلوشي

للقضاء في المجتمعات الإسلامية والإنسانية مكانة رفيعة مرموقة، وكان لمن يقوم بهذا الدور- وهُم القضاة- احترامًا وتقديرًا وشأنًا عاليًا في الحكومة والمجتمع؛ كون أنهم يعملون على إعادة الحق الى نصابه في المجتمعات البشرية التي لا تخلو من الصراعات والنزاعات بين أفرادها.

والقضاء قديمًا هو احتكام الشعوب في عاداتهم وتقاليدهم الى من يرتأون أنه مناسب لإدارة أمورهم وينصرهم على من ظلمهم، لدرجة أن العديد من الشعوب في العصور السابقة كانت تعتمد على العرافيين والدجالين والكهنة للحكم في قضاياهم. أمَّا عن القضاء كنظام مُدوَّن ومكتوب في التاريخ العربي والإسلامي؛ فهو يزيد على الالف عام؛ حيث إن الفقهاء المسلمين دوَّنوا نظامًا دقيقًا افرزوه في رسائلهم الفقهية تحت عنوان "كتاب القضاء" أو "باب القضاء"، أو كانوا يكتبون رسائل مستقلة فيه.

ومنذ بداية النهضة المباركة في سلطنة عُمان عام 1970، بدأت عجلة التقدم والتطور تسير لأجل الوصول بالسلطنة الى عصر النهضة والمعاصرة ومواكبة الدول الحديثة. وبالفعل تسارعت الخطى مدروسة الخطط وبفكر ثاقب وحكمة راسخة جددت الموروث الفقهي بما يواكب العصر ومستجداته. وتُعد هذه المرحلة من أزهى مراحل التطور في التاريخ العماني المعاصر، حتى صار مثالا يحتذى به في نزاهة القضاء واستقلاله وكفاءته في سيادة حكم القانون والاستقرار والأمان والتسامح والتنمية لا سيما البشرية والفكرية. وقد أسهمت السلطة القضائية في سلطنة عُمان بدور عظيم في ترسيخ معاني العدالة وصيانة الحقوق واستقلال القاضي، كما نالت حظًا وافرًا ونصيبًا وافيًا من النهضة الحديثة؛ فالقضاء دعامة كبرى لتحقيق العدل وحمايته وإرساء قواعد الامن والاستقرار وإشاعة الطمأنينة في المجتمع وحفظ كيانه. ومن خلال القضاء تتجلى مظاهر الثقة في مؤسسات الدولة ومنها المؤسسات القضائية، ولا تتكرس تلك الثقة إلّا بتوفر مقومات ونصوص تضمن حق المحاكمة العادلة، وتبرُز بوضوح معالم استقلالية القضاء والركون الى العدل والانصاف وعدم المُماطلة في الفصل في النزاعات، فإذا اطمأن الناس للقضاء انطلقت كوامن ملكات البذل والابداع والاسهام في خدمة البلد والدفاع عن مقوماته والسعي لتنميته وازدهاره.

أمَّا عن مراحل تطوُّر المؤسسات القضائية في سلطنة عُمان، فقد كان أول تشكيل وزاري في السلطنة يحوي وزارة العدل من بين أول أربعة وزارات شُكِّلت في السلطنة بتاريخ 23/7/1970؛ لذلك كانت المسؤوليات كبيرة والتحديات جسيمة؛ حيث عملت وزارة العدل على بناء التنظيم القضائي معتمدة على المبادئ والأصول العامة في الشريعة الإسلامية. ومن أول الإنجازات تطوير المحكمة الشرعية في مسقط؛ حيث نُقل مقرها الى مجمع الوزارات بروي كخطوة أولى نحو التطوير، ثم زادت الوزارة من عدد القضاة والموظفين والمعاونين والإداريين وتم تطوير المحاكم القائمة في الولايات التي لم يكن بها محاكم؛ سواء بالبناء أو بالإيجار أو الاشتراك مع مبنى مكتب الوالي، وتوالت الإنجازات والتطورات في السلطة القضائية حتى أصبحت المحاكم الشرعية والجزائية والمدنية والتجارية في كل ولايات السلطنة، ووُجدت محاكم الاستئناف في المحافظات ومحاكم القضاء الإداري ومحاكم التجارة والاستثمار والمحكمة العليا والمحاكم العسكرية وانضمام الادعاء العام تحت مظلة المجلس الأعلى للقضاء، الى أن أصبح النظام القضائي في سلطنة عُمان من أحدث الأنظمة التي تدار بشبكة إلكترونية رفيعة وعالية المستوى. وتم إنشاء المعهد العالي للقضاء في نزوى وهو مؤسسة علمية عُمانية رائدة في مجال التأهيل والتدريب القضائي والقانوني ويتحرج من غالبية القضاة في سلطنة عُمان.

والقضاء وظيفة عامة في التصنيف القانوني والإداري الرسمي؛ حيث يُعيَّن القاضي بقرار وزاري من الدولة عبر المجلس الأعلى للقضاء ويخضع لنظام وظيفي صارم.

والقضاء عقيدة وقرينة قضائية وخبرة ملموسة لدى القضاة، ورسالتي موجهة الى العديد من الفضلاء قضاة التنفيذ في التعامل مع المطالبين بالسداد في قضايا مدنية وتجارية وشرعية بعيدة كل البعد عن القضاء الجنائي والجزائي، أن رفقًا بهم؛ فقد انهارت بيوت وتشتت  أسر وفُصِل الناس من وظائفهم وتطلقت النساء  بسبب التطبيق الصارم للمادة 418 في التنفيذ، دون تطبيق للمادة 17 من المرسوم السلطاني (125/ 2020) الخاص بتبسيط إجراءات التقاضي والتي تنص بعدم جواز حبس المدين،  والمادة 11 من المرسوم السلطاني رقم (89/2025) والتي تنص بعدم جواز حبس المدين، ولا زالت المادة 418 هي المُتسيِّدة في إجراء التنفيذ على المدين، إلّا ما رحم الله من القضاة الذين يشار اليهم بالبنان.

جزيل الشكر والاحترام والتقدير لكافة الفضلاء قضاة التنفيذ وارفع القبعة احترامًا وتقديرًا لكل القضاة الذين يتعاملون بالحكمة والعقلانية والرأفة والرحمة وبروح القانون وبعقيدة القضاء، بعد تيقُّنهم بأن المدين مُعسَر؛ فالقانون وُجِدَ لمصلحة الناس لا للتعسير عليهم، وفي المقابل لا ينقصون من حقوق الدائن؛ فيُمسكون العصا من وسطها بالكلمة الحقة الطيبة، والمدين العُماني المُتعسِّر وصاحب الكُربة يُعوِّل الكثير وينتظر المأمول من الفضلاء قضاة التنفيذ الموقرين.

وأختمُ بالمقولة الشهيرة العظيمة للسلطان الراحل قابوس بن سعيد أن "الرحمة فوق القانون"، وهذه هي عقيدة القاضي العُماني التي لم تُدرج في قانون الإجراءات.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z