برُّ الحِكمان.. وتنتصر الطبيعة

غنيّة الحِكمانيّة

شبهُ جزيرة بجبلّتها الأولى ارتأت أن تتموضع بعيدا عن أنظار العابرين، كجوهرة لا يصل إلى مخبأها إلا من أدرك قيمة جمالها الطبيعي البِكر، وآمن بضرورة صون درّتها الثمينة. فثمّة أماكن لها قُدسيّة لا يدرك مهابة عظمتها إلا المبصرون لكُنْهِ أسرارها.

ليس برُّ الحِكمان وجهة سياحية حالمة فحسب، بل برّ يعبر بالنّفس إلى صفوة الهدوء وقمّة السّكينة. تستعيد فيه الرّوح نقاء بلسمها، وتستشعر معنى وجودها، وتستصلح سلامها الداخلي. بعيدا عن مكدّرات الحياة وقلاقل العالم المستمرة. فلا تصخِ النّفس هناك إلا لحديث همسها مع موج البحر وذرّات الرمل ونور الشّمس.

برّ الحكمان المُتنَفَّس الأنقى في ولاية محوت. المتفرّد بجاذبيّته الطبيعية، من نقاوة رماله البيضاء النّاعمة ووقع أمواجه العذبة، وبحيراته المتناغمة التي تكونت بفعل ظاهرة المدّ والجزر، تم اعتماده محمية طبيعية للأراضي الرطبة بمحافظة الوسطى، ونتيجة تأثره بالرياح الموسمية صيفا فالمَناخ فيه معتدل لطيف.

84034d38-dd7a-4fff-9127-41219f13f4b1.jpg
 

تنبت بين ضفاف بحيراته أشجار القرم؛ دعما وتعزيزا للتنوّع البيولوجي بالمنطقة. فهي موطن للطّيور المهاجرة التي اتّخذته بسربها الجماعي وبموعدها الذي لا تُخلفه محطة زيارة ومعبر استراحة. ومهجع للسلاحف ولأنواع مختلفة من سرطانات البحر، وبأعماق بحره الصّافي تزدهي زهور شقائق النعمان والشّعاب المرجانية بألوانها اللامعة وأشكالها الزاهية.

غير أنّ المسارَ إلى برّ الحكمان يشوبه الحذَر ويلزمه التمكّن، فسيرٌ على غير هدى أو دليل ستبلعك الرمال الممتدة المتحركة في جوفها، وتكون كالتّائه يريد أن يتشبث بمسلَك آمن من متاهة الصحراء الشاسعة على امتداد الأفق وليس من مخرج. فالرمال التي تذروها الرياح تزيد من التّيِه وتعرقل التركيز في المسار.

 وفي صحراءٍ شاسعةٍ لا تُغطى شمسها بغربالٍ، يلتقي فيه رحابة الأفق بامتداد الرمال واتّساع البحر. تفرد الشّمس ذراعيها إيذانا بالشروق، تغمر بدفئها الكائنات، وتجدّد دماء الحياة في أوصال روحها. وترجع البحيرات المنحسرة ليلا بفعل المدّ إلى مواقعها المعهودة. وبالمغيب تلطّخ الشّمس بشّفقها الأحمر فضاء السّماء، تتماهى ألوان غروبها ببياض الرمل وصفاء البحر. ويستكمل القمر انفراده بصفحة السّماء ليلا مع سكون إضاءته الخافتة.

إنّ الحياةَ في برّ الحكمان اجترارٌ للماضي واستعادة لبساطتِه الأولى، على أطراف بحيراته تتناثر الأكواخ والمخيّمات الخشبية. في مشهدٍ يعكس بساطة المأوى وكفاف المؤونة، وإحياء تجربة العيش في هالة الزمن القديم. بعيدا عن الكهرباء واتصال الانترنت واستخدام التكنولوجيا، ويكون الاعتماد على الألواح الشمسية في إضاءة ليل برّ الحِكمان.

تباينت آراء المرتادين حول تطوير وإحياء المنطقة، فهناك من يناشد بإعادة تشكيل بُنيتها وتحسين هيئتها، لتتصدّر العالميّة وتنافس وجهات ومقاصد الدول الطبيعية الأخرى. ويرى بضرورة تعزيز التنوع الاقتصادي والاستثماري فيها، لتحقيق قيمة مضافة للتنمية المستدامة.

وذلك من خلال إنشاء المنتجعات والفنادق، وترصيف الشارع الرملي الممتد بمسافة 40 كيلومترا، تسهيلا لحركة السير فيه بأمان. إلى جانب توفير مراكز متخصصة في خدمات الأنشطة البحرية لممارسة مختلف الرياضات المائية كالغوص والتجديف والتزلج على الأمواج والإبحار الشراعي والدراجات المائية؛ استفادةً من مقومات ومقدّرات برّ الحِكمان البحرية.

في مقابل ذلك مطالبات بعدم المساس بالطبيعة البِكر، أو إضافة أيّة مشاريع خدميّة أو ترفيهية، تعطّل جماليّة المكان وتفسد رواقه الجاذب وتنتهك حُرمته المنزّهة. فجمال المنطقة في بقاء ملامحها ومفاتنها الطبيعية كما هي وليس في تمييع صورتها وتزييفها. فهي محميةٌ طبيعية للطيور والكائنات البحرية، وملاذٌ لعشّاق العزلة والتأمل ومحبّي الاكتشاف والمغامرات والتخييم، بعيدا عن صخب المدينة والتمدّن.

وإنّي لأميل إلى إبقاء برّ الحِكمان كسجيّته الأولى، لا تخدش طبيعته أيّة محاولة للتجديد أو مُواكَبةٍ لحداثة، فثمّة بيئات طبيعية يخفُت بريقها وينسلب جمالها كلما تدثّرت بمظاهر البهرجة والعصرنة. وشبه جزيرة برّ الحِكمان خُلِقت لتحتفظَ بهويّتها المتفرّدة مدى تعاقب الأزمان، ولأجل سكونها الآسر مهما تقلّبت عليها الأحوال. فالطّبيعة حتما ستنتصر في مواجهة رياح التغيير وعصف التعمير.

 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z