د. خالد بن علي الخوالدي
هناك ملاحظات مُتعددة حول خطبة الجمعة؛ فالبعض يرى أنها تفتقد للتشويق ولا تتابع جيدًا ما يحدث في المجتمع من تحديات وقضايا دينية واجتماعية واقتصادية وثقافية وغيرها، مع إني كمتابع أرى أن هناك تغيرًا ملحوظًا في مواكبة الخطبة لبعض الأحداث كبداية العام الدراسي أو معالجة كثير من القضايا الاجتماعية، ولكن ما جعلني أكتب مقالي ليس كل ما سبق، وإنما تعجبي من نشر خطبة الجمعة قبل الصلاة.
فنحن كمسلمين ارتبط يوم الجمعة في ذاكرتنا بشعور مختلف عن بقية أيام الأسبوع، نذهب إلى المسجد وننتظر صعود الخطيب إلى المنبر، وننصت إلى خطبة لا نعرف مُسبقًا ماذا ستقول لنا ولا أي قضية ستطرح ولا أي رسالة ستحملها، وكان لهذا الانتظار أثره؛ فالكلمة حين تأتيك للمرة الأولى وأنت جالس في المسجد مُتهيِّئًا للإنصات إليها يكون لها وقع مختلف في النفس.
لكن في الفترة الأخيرة أصبح عنوان خطبة الجمعة وأحيانًا نصها كاملًا يصل إلينا قبل الجمعة بعدة أيام، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وربما نقرأ يوم الثلاثاء أو الأربعاء ما سيقوله الخطيب يوم الجمعة، ثم نتناقله في المجموعات والحسابات، حتى إذا جاء موعد الصلاة ذهب بعضنا إلى المسجد وهو يعرف العنوان وقرأ الأفكار وربما مرَّ على الخطبة كاملة.
وهنا يحق لنا أن نتساءل بكل هدوء: ما الجدوى من نشر خطبة الجمعة قبل موعدها بأيام؟ وأنا هنا لا أناقش مضمون الخطبة ولا أهميتها ولا فكرة إعدادها وتنظيم موضوعاتها، وإنما أتحدث تحديدًا عن توقيت نشرها للجمهور؛ فالخطبة في الأصل رسالة تُلقى، وللإلقاء حضوره وتأثيره، وهناك فرق بين أن تسمع فكرة للمرة الأولى من الخطيب وأنت في المسجد وبين أن تسمعها بعدما قرأتها قبل ثلاثة أو أربعة أيام، فعنصر الترقب جزء من اهتمام المستمع والجديد يشد الانتباه بطبيعته، أما عندما يعرف الإنسان مسبقاً ما سيقال له، فقد يفقد شيئا من حماسه وتركيزه، حتى وإن كانت الخطبة مهمة ومضمونها جيدا.
ولنتخيل الأمر ببساطة، شخص قرأ الخطبة كاملة يوم الأربعاء ثم جاء يوم الجمعة وجلس أمام الخطيب ليستمع إلى النص نفسه، بطبيعة الحال سيقول في داخله، أعرف هذه الفكرة وقرأت هذه العبارة وأعرف إلى أين سيصل الحديث، وقد يتحول الإنصات من انتظار للفائدة إلى مجرد متابعة لما سبق أن قرأه.
ومن وجهة نظري أن نشر الخطبة بعد صلاة الجمعة قد يكون أكثر فائدة وجدوى، يستمع إليها المصلون أولًا في بيوت الله كما اعتدنا، وبعد انتهاء الصلاة تنشر عبر المنصات والمواقع والحسابات الرسمية لتتحول من خطبة استمع إليها المصلون إلى مادة معرفية وتوعوية يمكن الرجوع إليها ومشاركتها والاستفادة منها.
والنشر بعد صلاة الجمعة يفتح دائرة الفائدة أمام فئات كثيرة لم تتمكن من حضور الصلاة كالنساء والمرضى والمسافرين وأصحاب الأعذار وغيرهم، كما يستطيع من حضر الخطبة أن يعود إلى نصها لقراءة فكرة أثارت اهتمامه أو للتأكد من معلومة وردت فيها أو لمشاركة جزء نافع منها مع أسرته وأصدقائه.
وهنا تتحقق فائدتان بدل فائدة واحدة، نحافظ أولًا على قيمة الاستماع إلى الخطبة في وقتها، ثم نستفيد ثانيًا من قوة النشر الإلكتروني في إيصال مضمونها إلى أكبر عدد ممكن من الناس، وقد يكون من المناسب أيضا بعد الصلاة تحويل الخطبة إلى محتوى أكثر جاذبية كتصميم يتضمن أبرز الرسائل ومقطع قصير من مضمون الخطبة ونقاط مختصرة أو بطاقة معرفية تحمل أهم ما ورد فيها، عندها تصبح الخطبة ممتدة الأثر فلا تنتهي بانتهاء الصلاة وإنما تبدأ بعدها رحلة أخرى لوصول رسالتها إلى المجتمع.
إنَّ خطبة الجمعة ليست خبرًا عاجلًا نحتاج إلى معرفته قبل وقوعه، وإنما رسالة إيمانية وتوعوية لها زمانها ومكانها وأجواؤها، ولعلَّ من جمال الجمعة أن نذهب إلى المسجد ونحن في تشوق لسماع الخطبة ومضمونها، ثم بعد الصلاة ننشر الخطبة ونقرأها ونتداول فوائدها ونوصلها إلى من لم يحضرها.
ودُمتم ودامت عُمان بخيرٍ.
