إعادة صقل المهارات في عصر الذكاء الاصطناعي

 

 

 

 

نبيل بن حيدر البلوشي

nabeel.h.albalushi@gmail.com

 

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي حديثًا عن تقنية ناشئة تتربص بمستقبل بعيد؛ بل أصبح حديثًا عن واقع يعاد بموجبه تشكيل طريقة عملنا اليوم، بالسرعة نفسها التي تطرح بها أدوات جديدة كل بضعة أشهر، وبعمق يتجاوز ما شهدته موجات التحول التقني السابقة على مدى عقود كاملة.

ومن هنا.. فإن المؤسسات التي تتعامل مع هذا التحول باعتباره أمرًا يمكن تأجيله إلى حين، إنما تراهن على استقرار وهمي لن يدوم طويلا، لأن الفجوة بين من يمتلك القدرة على العمل جنبًا إلى جنب مع أنظمة ذكية ومن لا يمتلكها تتسع يومًا بعد يوم بوتيرة يصعب تعويضها لاحقًا.

والصورة الشائعة عن الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تلغي الوظائف بالجملة ليست دقيقة، فالأقرب إلى الواقع أن هذه التقنية تفكك كل وظيفة تقريباً إلى مهامها الفرعية، ثم تتولى الجزء الروتيني القابل للتكرار منها، تاركة الباقي لحكم بشري لا غنى عنه، ويظهر هذا بوضوح في موظف إدخال البيانات الذي تنجز أدوات استخراج المعلومات مهمته في ثوان بدل ساعات، وفي موظف خدمة العملاء الذي باتت مساعدات ذكية تتولى نسبة كبيرة من إجاباته المتكررة حول حالة الطلب أو سياسة الإرجاع، وفي المحامي حديث التخرج الذي كانت المراجعة الأولية للعقود خطوته الأولى لاكتساب الخبرة، بينما تستطيع أدوات مراجعة العقود اليوم مسح مئات الصفحات وتحديد المخاطر في دقائق، وفي طبيب الأشعة الذي تتولى أنظمة تحليل الصور الفرز الأولي بين آلاف اللقطات لتوفر له وقتا كان يستهلك قبل الوصول أصلا إلى الحالات الحرجة.

وهذا بالضبط ما يجعل إعادة التأهيل الكامل ضرورة لمن تتلاشى أدوارهم التقليدية بالكامل، فموظف البنك الذي تتراجع مهمته النقدية اليومية مع انتشار الخدمات الرقمية، يمكن أن يبنى من جديد كاستشاري يفهم الوضع الشامل لعميله الخاص بالعملاء ويقدم لهم نصائح حول التقاعد وإدارة الديون وغيرها، وهي مهارات تتطلب معرفة مالية أعمق وقدرة على بناء علاقة ثقة طويلة الأمد، وموظف إدخال البيانات نفسه يمكن أن يتحول إلى أخصائي جودة بيانات يراجع مصادر المعلومات ويكتشف الأنماط الشاذة فيها، وهي مهمة تتطلب تفكيرا تحليليا أعمق بكثير من الإدخال اليدوي الذي غادره، والمترجم الذي تولت الترجمة الآلية جزءا من عمله يمكن أن يعاد تأهيله كخبير في التوطين الثقافي للمحتوى المحلي، بحيث تنتقل مهمته من نقل الكلمات إلى ضمان أن يحمل المحتوى المعنى والسياق الصحيح لجمهور محدد، وهي حساسية ثقافية لا تملكها أي آلة لغاية الآن.

وفي المقابل، هناك فئة أخرى لا تحتاج إلى استبدال دورها بالكامل بقدر ما تحتاج إلى تعميق ما تتقنه أصلا بطبقة جديدة من الكفاءة، فالمحاسب الذي لا يزال جوهر عمله قائما يحتاج إلى إتقان أدوات التنبؤ المالي الذكية، بحيث لا يكتفي بمراجعة الأرقام كما اعتاد، بل يصبح قادرا على تفسير التوقعات التي تنتجها هذه الأدوات وتحويلها إلى توصيات استراتيجية واضحة، والمسوق يحتاج إلى إتقان صياغة التوجيهات الدقيقة التي تخرج من الأدوات الذكية أفضل ما لديها، مستخدما خبرته في فهم الجمهور لاختيار النسخة الأنسب وتكييفها مع هوية العلامة التجارية، والمحامي يحتاج إلى إتقان مراجعة العقود التي تصاغ مسودتها الأولى آليا، بحيث تتحول مهمته من الصياغة البطيئة إلى الحكم القانوني النقدي الذي يتحقق من حماية مصلحة موكله، ومهندس البرمجيات ينتقل من كتابة كل سطر بنفسه إلى تصميم البنية المعمارية للنظام ومراجعة الأكواد التي تقترحها أدوات المساعدة بحثا عن ثغرات لا تلتقطها الآلة.

ومع كل هذا الزخم حول الأدوات، يبقى ما يميز الإنسان بمنأى عن أن تحل الآلة محله، فالحكم في سياقات معقدة تتقاطع فيها اعتبارات مالية وأخلاقية وإنسانية، والقدرة على اتخاذ قرار حين تتعارض المعطيات المتاحة، والإبداع الذي ينبع من ربط أفكار متباعدة بطريقة لم يجربها أحد من قبل، والذكاء العاطفي الذي يجعل التعامل مع زميل متعب أو عميل غاضب تجربة إنسانية لا مجرد تبادل معلومات، كل هذه قدرات يزداد ثمنها كلما تولت الآلة المهام الروتينية، وأي استراتيجية لإعادة صقل المهارات لا تعطي هذا الجانب حقه من الاهتمام، إنما تعد الموظفين لعالم لم يعد قائما أصلا.

وتقع المسؤولية الأولى في مواجهة هذا التحدي على عاتق القيادة، فالثقافة التي تجعل من التعلم المستمر جزءا أصيلا من العمل اليومي، لا نشاطاً جانبيا يمارس في دورة سنوية عابرة، هي وحدها القادرة على مواكبة سرعة هذا التغيير، وهذا يعني أن يخصص القادة وقتا وموازنات فعلية لبرامج مرتبطة بمشكلات العمل الحقيقية، وأن يكونوا هم أنفسهم قدوة في التعلم الجديد بدل الاكتفاء بتوجيه فرقهم إلى برامج لا يخوضون تجربتها معهم، ومن المهم أيضا النظر إلى هذا الاستثمار باعتباره ما يعزز قدرة المؤسسة على المنافسة والاحتفاظ بأفضل كفاءاتها، لا باعتباره بندا يمكن تقليصه أول ما تضيق الظروف المالية.

والخلاصة التي لا مجال للتردد فيها أن إعادة صقل المهارات لم تعد خيارا مطروحا على طاولة النقاش، بل شرطا أساسيا لبقاء أي مؤسسة قادرة على المنافسة في السنوات القليلة القادمة، وهي مسؤولية مزدوجة تتطلب إعادة بناء كاملة لمن تتلاشى أدوارهم عبر مسارات تأهيل جديدة، وتعميقا مستمرا لمن لا تزال أدوارهم قائمة عبر إتقان أدوات جديدة، والمؤسسات التي تبادر اليوم إلى بناء هذا المسار بمشاركة حقيقية من القيادة هي التي ستجد نفسها في موقع الريادة حين تستقر ملامح هذا التحول، أما من يفضل الانتظار حتى تتضح الصورة بشكل كامل، فقد يجد نفسه يحاول اللحاق بركب تجاوزه بمسافة يصعب تعويضها.

** خبير اقتصادي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z