د. سالم بن عبدالله العامري
في المغسيل بمحافظة ظفار، حيث تتداخل حياة الإنسان مع الأودية والجبال والمراعي، وحيث ظل المكان على امتداد السنين موطنًا للأهالي ومصدرًا لرزقهم ومرعى لمواشيهم، لم تعد قضية المحاجر والكسارات شأنًا اقتصاديًا مجردًا يمكن النظر إليه بمعزل عن حياة الناس؛ فالمسألة أصبحت مرتبطة بسلامة الإنسان، وطمأنينة أسرته، وحماية مواشيه وبيئته، واحترام خصوصية المكان وحرمة مقابره. ولهذا فإن أي نشاط يقام في هذه الأودية أو بالقرب منها يجب أن يُنظر إليه أولًا من زاوية واحدة لا تقبل المساومة: أمن الإنسان وسلامته وحقه في أن يعيش في بيئة آمنة تحفظ له كرامته ومصدر رزقه وحرمة المكان من حوله.
المغسيل ليست مجرد أودية ومواقع لاستغلال الصخور؛ إنها موطنٌ للبان، وموئلٌ للحياة الفطرية، ووجهةٌ يقصدها السياح، واحتضانٌ لمقومات طبيعية كالأخوار والعيون المائية، فإن حماية هذا المكان لا ينبغي أن تكون خيارًا ثانويًا. ومن هنا يبرز السؤال: أين يقف دور الجهات المختصة بحماية الحياة الفطرية والمحميات الطبيعية وصون هذه الثروة؟
الأودية المحيطة بالمغسيل ليست أرضًا خالية من السكان، وليست مواقع بعيدة عن الحياة اليومية للناس، بل هي موطن لإنسان يعيش فيها، ويرعى مواشيه، ويعتمد على مواردها الطبيعية، ويرتبط بها ارتباطًا قديمًا. ولذلك فإن وجود شركات التنقيب والتعدين في هذه الأودية بغض النظر عن أي نشاط أو تحت أي مسمى يفرض سؤالًا أساسيًا لا ينبغي تجاوزه: كيف يمكن أن يستمر أي نشاط اقتصادي إذا أصبح وجوده مصدر قلق على سلامة الإنسان وممتلكاته ومواشيه؟
إن أعمال الحفر والتكسير ونقل الصخور وما يرافقها من حركة المعدات والشاحنات والغبار والضوضاء وتغيير طبيعة الأودية، تستحق دراسة ومتابعة دقيقة عندما تتم داخل مناطق مأهولة أو قريبة من مساكن الناس ومراعيهم. فالأولوية هنا يجب أن تكون واضحة: حماية الإنسان، ثم حماية البيئة ومصادر رزقه، ثم تأتي بقية الاعتبارات.
والأكثر إلحاحًا أن الضرر، متى وقع، لا يقتصر على الإنسان وحده. فالمواشي التي يعتمد عليها الأهالي جزء من حياتهم ومصدر دخلهم، وأي تأثير في المراعي أو المياه أو طبيعة الأودية ينعكس عليهم بصورة مباشرة. وبالتالي فإن حماية الأودية في المغسيل ليست حماية للحجر والشجر فقط، وإنما هي حماية لحياة متكاملة يعيشها الإنسان وأسرته ومواشيه؛ وهي كذلك احترام لذاكرة المكان وحرمة مقابره، التي ينبغي أن تبقى بمنأى عن أي نشاط قد يمس خصوصيتها أو ينتقص من مكانتها.
ومن هنا، فإن الرسالة إلى الجهات المختصة واضحة ومباشرة: المطلوب ليس الانتظار حتى تقع حادثة أو تتفاقم الأضرار، وإنما المراجعة الميدانية الفعلية لمواقع المحاجر والكسارات في أودية المغسيل، وتقييم مدى قربها من مساكن المواطنين ومراعيهم، وقياس آثارها على السلامة والبيئة والإنسان والمواشي.
كما أن المطلوب هو الاستماع إلى أهالي المنطقة، والنظر بجدية في ملاحظاتهم ومخاوفهم، لأن من يعيش في المكان ويعايش تفاصيله اليومية هو الأقدر على وصف التغيرات التي قد لا تظهر في التقارير المكتبية وحدها.
إن التنمية لا تعني أن يدفع الإنسان ثمنها من أمنه أو سلامته أو رزقه. والاستثمار لا ينبغي أن يتحول إلى سبب في إلحاق الضرر بمن يسكن المكان قبل أن يكون منفعة له. لذلك فإن أي نشاط في أودية المغسيل ينبغي أن يظل محكومًا بمبدأ واضح لا لبس فيه: لا نشاط اقتصادي يعلو على سلامة الإنسان.
وفي النهاية، فإن أهالي المغسيل لا يطلبون أكثر من حقهم الطبيعي في العيش بأمان، والمحافظة على أوديتهم ومراعيهم، وضمان ألا تتحول البيئة التي عاشوا فيها إلى مصدر خطر عليهم وعلى مواشيهم.
ورسالتنا إلى الجهات المختصة اليوم ليست إلا تذكيرًا بمسؤولية عظيمة، مفادها أن ما يؤكد عليه جلالة السلطان هيثم بن طارق، حفظه الله ورعاه، من صون حياة الإنسان وكرامته، وتوفير الأمن والطمأنينة والحياة الكريمة له ولأسرته، ينبغي أن يتحول من توجيهات سامية إلى واقع ملموس يلمسه المواطن والمقيم في حياته اليومية.
حفظ الله عٌمان وأهلها وأدم علينا الأمن والأمان، وارزق الجميع حياةً كريمةً مطمئنة.
