د. رقية بنت حميد الوهايبي
حين تُعلن وزارة العمل تخصيص نحو 20 مليون ريال عُماني لتطوير منظومة الكليات المهنية خلال الفترة (2026- 2030)، فإن أهمية الرقم لا تقف عندما يمكن أن يشتريه من تجهيزات أو يطوره من برامج. ففي التعليم المهني تحديدًا، تتسع قيمة الاستثمار بقدر ما يستطيع أن يحرّكه حوله من معرفة وخبرة وتقنية وشراكات؛ أي أن يصبح المخصص المالي بداية لقيمة أكبر.
أقول ذلك من تجربة امتدتْ لأكثر من عقد في الكليات المهنية، بين التدريس والعمل الأكاديمي والقيادة، والتفاعل المباشر مع الطلبة والمدربين والمجتمع. وقد علّمتني هذه السنوات أن جودة الورشة لا تبدأ من حداثة الجهاز وحدها؛ تبدأ حين يصبح ما يحدث داخلها قريبًا من العمل الحقيقي، ويظل المدرب على صلة بتحولات مهنته، ويفهم الطالب قيمة المهارة التي يتعلمها، ويرى القطاع الاقتصادي في الكلية شريكًا في بناء القدرة التي سيحتاج إليها لاحقًا.
ولهذا ما زلتُ أذكر الرؤية التي طرحها السيد سالم البوسعيدي الوكيل السابق لوزارة العمل لتنمية الموارد البشرية، خلال زيارته للكلية المهنية بصحم، حين أكد أن تكون "ورش الكليات المهنية مصانع للإنتاج، لا أماكن للتعليم والتدريب فقط". وقد توقفتُ عند هذه العبارة سابقًا لأنها تنقل التدريب من ممارسة المهارة إلى صناعة قيمة يمكن رؤيتها في منتج أو خدمة أو حل حقيقي.
واليوم، أمام استثمار العشرين مليون ريال، يمكن أن يمتد هذا المعنى من الورشة المنتجة إلى الاستثمار المنتج للقيمة. ويأتي ذلك في توقيت مناسب؛ فالخطة الاستراتيجية للكليات المهنية (2026- 2030) أُعدت بمشاركة قطاعات حكومية وخاصة وتعليمية، وبهدف تعزيز التكامل بين مؤسسات التعليم والتدريب والقطاعات الإنتاجية، ورفع جودة المخرجات ومواءمتها مع احتياجات الاقتصاد والتحولات المستقبلية. وهذا في حد ذاته مهم؛ لأنه يضع الكلية المهنية داخل حركة الاقتصاد.
كما أن انفتاح وزارة العمل على التجارب الإقليمية يعطي هذا المسار بُعدًا إضافيًا؛ ففي زيارة معالي الدكتور محاد باعوين وزير العمل، إلى جمهورية مصر العربية في سبتمبر الجاري، اطّلع معاليه على وحدات التدريب المهني المتنقلة ومشروع "مهني 2030" وبرامج التدريب المرتبطة بالتشغيل، وقيمة مثل هذه التجارب تكمن في توسيع قدرة المؤسسة على التعلم، ثم اختيار ما يلائم واقع عُمان واحتياجاتها.
ومن هنا أرى في العشرين مليونًا؛ فرصة لتعميق ما هو قائم أصلًا من شراكات، بحيث يفتح جزء مدروس من مشروعات التطوير مجالًا أوسع للاستثمار المشترك في المهارة؛ يبدأ الاستثمار الحكومي مشروعًا، ويُضيف الشريك المهني ما يملكه من تقنية أو تجهيز أو خبرة فنية أو موقع للتطبيق أو تحدٍّ حقيقي يمكن تحويله إلى تجربة تعلم.
وهكذا يصبح المعنى أعمق من تقاسم تكلفة جهاز، فالمختبر أو التقنية تكتسب قيمتها الحقيقية حين تربط التعلم بواقع المهنة، وحين تدخل تحديات المؤسسات إلى الورشة، يدخل معها معيار الجودة والدقة والوقت والمسؤولية عن النتيجة. يتعلم الطالب من موقف حقيقي، ويتجدد المدرب من احتكاكه بالممارسة، وتتحول الشراكة من دعم خارجي إلى جزء من صناعة المهارة داخل الكلية.
وقد تكون ساعة خبير يعمل يوميًا على تقنية حديثة أكثر أثرًا من إضافة جهاز لا يجد حوله ما يكفي من الخبرة، كما قد تتحول مشكلة فنية تواجه مؤسسة إلى مشروع يختبر فيه الطالب والمدرب قدرة المعرفة على إنتاج حل، عندها لا ينتظر القطاع الخريج في نهاية الطريق فقط؛ وإنما يدخل مبكرًا في بناء الكفاءة التي سيحتاج إليها لاحقًا.
هذا المنطق معروف عالميًا بصور مختلفة من التمويل المشترك لتنمية المهارات، حيث يصبح الاستثمار العام محفزًا لمشاركة أصحاب العمل في بناء القدرات التي يحتاج إليها الاقتصاد؛ أما في عُمان، فالأهم هو البناء على شراكاتنا القائمة وصياغة نموذج يناسب طبيعة الكليات والقطاعات والمحافظات.
ولعلَّني أُسمي الأثر الناتج عن ذلك "مضاعِف المهارة"؛ أي أن تُقرأ قيمة الاستثمار بعد سنوات بما استطاع أن يجذبه حوله من خبرة وتقنية وفرص تطبيق وعلاقات مهنية تستمر بعد انتهاء التمويل؛ فالاستثمار الذكي في التعليم المهني يبني علاقة تستطيع أن تتجدد كلما تغيرت المهنة، وهنا يعود معنى رؤية السيد سالم البوسعيدي بصورة أكثر اتساعًا؛ فإذا كانت الورشة المنتجة تحوّل الموارد إلى قيمة، فإن الاستثمار المنتج يفعل الشيء نفسه؛ وتظهر قوته في مقدار القيمة التي استطاع أن يصنعها مما وُضع فيه.
لهذا أقرأ العشرين مليون ريال بتفاؤل؛ فهي فرصة لأن يصبح الاستثمار الحكومي نقطة التقاء أوسع بين الكلية والاقتصاد؛ يدخل تمويلًا، ثم تكبر قيمته بخبرة السوق وتقنيته ومشكلاته الحقيقية، ويخرج في النهاية مهارةً عُمانية أكثر قدرة على الإنتاج وصناعة القيمة.
عندها تكون العشرون مليونًا قد حرّكت حولها استثمارًا أوسع في الإنسان العُماني نفسه فيغدو الشاب قادرًا على قيادة السفينة للوصول إلى الموانئ التي سترسو فيها رؤية "عُمان 2040" وهي تصل خط النهاية تطور وتنمية وأكثر كفاءة.
