ناصر أبوعون
لم يأتِ المخرج والكاتب الدراميّ خليفة بن صالح بن عيسى بن عامر الطائيّ إلى ميدان التأليف والإخراج الدراميّ خالي الوِفاض، بل جاء متوكئًا على عصا الشعر، والإبداع التي كان لعائلته وأجداده منها نصيبٌ وفيرٌ، ولم ينخرط عَنْوةً في عالم الكتابة الدراميّة، إلا بعد أن عركته التجارب، وصقلت شخصيته قراءاتٌ وأسفارٌ كثيرةٌ عَدَدًا وطويلةٌ زَمَنًا.
شهادات رِفَاق خليفة الطائي
الأحد 28 من شهر صفر، سنة 1446هـ، الموافق 1 من سبتمبر 2024م.. وقُبيل بضعة أيام من هذا التاريخ، الذي أرخى فيها الحزنُ سُدولَه على عائلة الطائيّ، أثار الإعلاميّ القدير خالد الزدجالي شجون قطاع عريض من عُشّاق الراديو، الذين عاصروا فجر النهضة العُمانية المباركة في سبعينيات القرن العشرين، عبر تغريدةٍ على منصة x كتب فيها:"كانت البداية رجالٌ، ومن مبني متواضع عبارة عن (صَنْدَقَةٍ) كانت بداية أول بثٍّ إذاعيٍّ فى عام 1970 وكان أستاذنا القدير خليفة بن صالح الطائي من أوائل الذين ساهموا في إيصال صوت عُمان أثيريًا، وله كمؤلف درامي ومخرج خطّه المميز لم ينافسه عليه أحد".
وبعد هذا التاريخ 30/7/1970 بأسبوع من اعتلاء السلطان قابوس – طيَّبَ الله ثراه - سُدَّة الحُكم، بدأ البثّ الإذاعيّ الرسمي لإذاعة سلطنة عُمان من (بيت الفَلَج)، ولمدة 5 ساعات يوميًّا بقدرة 1 كيلو واط وبعد شهرين بالتمام والكمال كان المخرج والكاتب الدراميّ صالح بن خليفة الطائيّ من المؤسسين لهذا الصرح الإعلاميّ الكبير، ومن أوائل الذين جلسوا خارج البلاتوه وخلف الميكسر؛ مُشاركًا الهندسة الصوتيّة، ومُخرجًا يوجّه المذيعين والممثلين الشباب.
وكان الفنان والسيناريست أحمد بن سعيد الأزكوي من أوائل الذين أرّخوا للدور القياديّ للمؤلف والمخرج الدرامي خليفة بن صالح الطائيّ داخل إذاعة سلطنة عُمان، فقد أدلى بشهادته عنه من قَبيل حِفظ الجميل، والاعتراف بفضل الذين أخذوا بيده في بدايات التحاقه بالإذاعة؛ فدَوَّنَ فقرة في كتابه (الهمهمات والهمهموت) قال فيها: "ما زلتُ أحتفظُ بأسماء أساتذتي صائدوا المواهب ومكتشفيها؛ هؤلاء الرجال العِظام، الذين تعلَّمتُ منهم سرَّ مهنة الدراما، ومن بين هؤلاء الأساتذة الذين أخذوا بيدي في بداية الطريق نحو الدراما (الأستاذ صالح بن خليفة الطائيّ)".
وفي مقابلة صحفية بجريدة الخليج مع الإذاعي المخضرم محمود عبيد الحسني – رحمة الله عليه- أثنى فيها على قسم الدراما والمنوعات في إذاعة سلطنة عُمان؛ قال فيها: "قسم الدراما بإذاعة سلطنة عُمان كان بمثابة مدرسة تخرَّج فيها العشرات من أبرز كتاب وممثلي الدراما؛ فالجميع مازال يتذكر حجم ومستوى الإنتاج الدرامي الإذاعي سابقًا كيف كان، فـ(تمثيلية الأربعاء)، و(تمثيلية الأسبوع) لخليفة بن صالح الطائي، وغيره من المؤلفين الآخرين، حيث كان الإنتاج غزيرًا وغنيّا تاريخيًّا، واجتماعيًّا، وكوميديًّا، وتمثيليات أسبوعية ورباعيات، كلها كانت في دورة واحدة تقريبًا".
بعض منجزات خليفة الطائي
المؤثرون في سائر القطاعات التنموية، صفحات مضيئة في تاريخ أمتهم، ونبراس تستضيء به الأجيال المتعاقبة، وتراث من الإبداع التراكمي يُبنَى عليه، ولا يمكن تجاوزه، ومن المستحيل محوه أو نسيانه، بل هو البُوصلة التي تُشير إلى الوِجهة القادمة في تاريخ الفنون والإبداع، والتي سينطلق منها الشباب الذين تسلّموا الراية نحو آفاق جديدة من العطاء في مسيرة البناء التي لا تتوقف، وتبقى أعمالهم ما بين الدرس والتوثيق، تستدعيها الذاكرة كلَّ حينٍ لأخذ العبرة، والاقتداء بها.
ويمكن رصد المسيرة الإبداعية للمؤلف الدراميّ، والمخرج الإذاعيّ خليفة بن صالح بن عيسى بن عامر الطائي في محطات مفصلية مؤثرة في تاريخ إذاعة سلطنة عُمان؛ بدأت بمشاركته في (تأسيس إذاعة سلطنة نوفمبر 1970م) عُمان بمبنها الأول في بيت الفلج، ثم استمع الجمهور لأول تمثيلية من تأليفه بعنوان:(طِيْع مِن يِرْشِدك إلى الخير) عام م1971م، ثم أصاخت الآذان السمع له عندما أقدم على تجربة الإخراج الإذاعي لأول مرة، فتابعوا بشغف أول تمثيليتين اجتماعيتين له؛ الأولى كانت بعنوان:(الأمل الكبير) من تأليف رحيمة حبيب، والثانية بعنوان:(الرسالة البريئة) لمؤلفها سعيد علي سعيد؛ وأعدّهما حُمُود بن سالم السيابي، ثم أقدم خليفة الطائيّ بجرأة فيها الكثير من روح المغامرة على تأليف أول مسلسل إذاعي بعنوان (وعاد الربيع) من إخراج حسن حافظ. وبعد النجاح الإذاعيّ، الذي حققه خليفة بن صالح الطائي وشهد له الجميع عاد عام 1984م إلى الجمهور؛ فكتب للتليفزيون مسلسله الشهير(آباء وأبناء)، من إخراج أمين بن علي عبداللطيف ومازال هذا المسلسل راسخا في أذهان الكثيرين ممن عاصروا هذه الفترة في تاريخ التليفزيون العمانيّ، ونهضة عمان المباركة.
وبعد أربع سنوات من إنتاج مسلسل (آباء وأبناء) عكف خليفة بن صالح الطائيّ على كتابة قصة وحوار مسلسله التليفزيوني الجديد (وعاد الربيع)، الذي تعاون فيه مع المخرجَين حسن حافظ وحسن بن راشد الراسبي، وتابعه الجمهور العماني والخليجي عام 1988 على شاشة تليفزيون عُمان، وكان له صدى واسعًا بين المشاهدين. ولكن يظل البرنامج التليفزيوني (بلدي عُمان) في قمة هرم المشاهدات؛ لكونه طاف من خلاله سائر الولايات العُمانية، وجمع فيه بين سحر الجغرافيا، وعراقة التراث، وموثقًا منجزات النهضة العمانية المباركة بالصوت والصورة، والتقى فيه المواطنين والمسؤولين، وكان يذاع كل يوم جمعة، ويتابعه المواطنون والمقيمون بكل شغف.
وكان المسلسل الإذاعي(جرح على صدر الزمن) نهاية المطاف الإبداعي للكاتب والمخرج خليفة بن صالح الطائي، واختتم بعده مسيرته الإبداعية بالحصول على العديد من الجوائز، كان أبرزها جائزة أفضل مخرج في مهرجان الإبداع الإعلامي العُماني عام 2011 عن مسلسله (منصور وسعدون)، ونال ثناءً من المسؤولين والمبدعين ولجان التحكيم عن سائر أعماله الدرامية، وخاصة (تمثيلية الأربعاء) و(تمثيلية الأسبوع).
وقبل تقاعد المخرج والكاتب الدراميّ خليفة بن صالح الطائي بعام تقريبًا حلّ ضيفًا على برنامج (ساعة من أرشيف الإذاعة) في الثاني من مايو عام 2014 تحدث فيه مع محمود بن عبيد الحسني مقدم البرنامج؛ لينتهي به المطاف إلى مغادرة العمل الرسمي متقاعدًا عام 2015 عاش بعدها 10 سنوات مقبلًا على الحياة، ومستمتعًا بالسفر والتجوال للفسحة كثيرًا والعلاج أحيانًا إلى أن لقى ربّه بعد حياة حافلة بالعطاء يوم الأحد 28 صفر 1446هـ، الموافق 1 سبتمبر 2024م.
مؤثرات صنعت خليفة الطائي
لم يأتِ المخرج والكاتب الدراميّ خليفة بن صالح بن عيسى بن عامر الطائيّ إلى ميدان التأليف والإخراج الدرامي خالي الوِفاض، بل جاء متوكئًا على عصا الشعر، والإبداع التي ورثها عن أجداده، ولم ينخرط عَنوةً في عالم الكتابة الدراميّة، إلا بعد أن عركته التجارب، وصقلت شخصيته قراءاتٌ وأسفارٌ كثيرةٌ عَدَدًا وطويلةٌ زَمَنًا؛ فوالده الشيخ صالح بن عيسى بن عامر الطائيّ عشق جمهورية الهند، ووطيء أرضها للتجارة والاسترخاء والتجوال والعلاج، وتغنّى بها في أشعاره، وله قصائد غزيرة في مدح بومباي وحدائقها وطيب هوائها، وشدّ الرحال إليها أربعين مرة طوال حياته، وكان ابنه خليفة عصاه التي يتوكأ عليها، ورفيقه الذي لم يتخلّف عن مصاحبته أبدًا، فتأثر بثقافة وأخلاق؛ والده فأحب الشعر مِثْلَه فنظمه، وخاض غمار المطارحات الأدبية والفكاهية التي ورثها عن أبيه.
وخالط خليفة الطائيّ المواطنين، وعامة الناس، وخَبر طرائق معيشتهم، وتعرّف على صنوف معاملاتهم، وعايش حياة البسطاء والفقراء والميسورين والأغنياء على اختلاف بيئاتهم، وتباين ثقافاتهم، فحفظ معاملاتهم وأتقن لهجاتهم، وقرأ تعابير وجوههم ولغات أجسادهم، فضلًا عن اشتغاله بالتجارة منفردًا لفترة طويلة، ومداومته على السفر كثيرًا إلى إمارة دبي والهند، التي كانت مقصد الكثير من أرباب التجارات من دول الخليج كافة، وكان هو من زمرتهم يلتقيهم، ويعقد الصفقات والصِلات معهم ويشتري منهم البضائع ويبيعهم، ثم يعود قافلًا إلى أسواق عُمان فيتاجر، ويتكسّب في أسواقها الشهيرة.
وفي أجواء السفر وضعه القدر في معيّة أصدقاء والده الشيخ صالح بن عيسى بن صالح الطائي، فخالط أعيان ورُشداء ولاية بوشر، خاصةً الذين دأبوا على مرافقة والده إلى الهند، وإمارة دبي؛ فتأثرت شخصيته الإبداعية بأخلاق السيد سليمان بن خليفة البوسعيدي، وأدب عمه الشيخ القاضي هاشم بن عيسى الطائي، وقيم الشيخ أحمد بن سعيد الحسني، ووفاء الفاضل مرشد بن محمد الخصيبي.
وانطبعت شخصيته بالصرامة والجِديّة من مجالسة العلماء واستقباله لهم في المناسبات والأعياد بصحبة والده في منزله المعروف باسم (بيت الفوق) بمحلة (سيبا المال) بولاية بوشر، وانفتح بمخالتطهم على كل الآراء المتباينة، حول القضايا الدينيّة والمجتمعية؛ فأخذ بقسط ليس باليسير من علوم الفقه عن الشيخين مُفتِيَا سلطنة عُمان سماحة الشيخ إبراهيم بن سعيد العَبْري، وسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي.
ويبقى القول: إنّ التأريخ لمسيرة المخرج، والمؤلف الدرامي، ورائد جيل المؤسسين لإذاعة سلطنة عمان 1971م، خليفة بن صالح بن عيسى الطائيّ يأتي في إطار قراءات تاريخية؛ نسعى من خلالها إلى إحياء تراث ثُلَّةٍ من رجال الموجة الأولى في النهضة العُمانيّة المباركة زمن السلطان قابوس – طيَّب الله ثراه- وعروجا إلى الموجة الثانية من النهضة المتجددة في عصر – السلطان هيثم بن طارق – أبقاه الله –؛ وهذا الإحياء التوثيقيّ ليس إلا وفاءً لكل صاحب تجربة، وليس إلا اعترافًا بعظيم الأثر؛ لكل مبدع وضع لبنة في صرح هذه النهضة؛ لتتخذها الأجيال المتعاقبة قدوة في الجِدّ والمثابرة والعطاء الذي لم ولن ينقطع أبدًا مادامتْ قلوبُ هذه الأمة نابضة بالخير والإصلاح.
