الرؤية- ناصر العبري
يصل الكاتب والشاعر الدكتور خليفة بن حارب اليعقوبي إلى محطته الشعرية الخامسة مع ديوانه الجديد «همهمات»، بعد أربعة دواوين هي: «دفء هوى»، و«مرسى هوى»، و«نشوة هوى»، وإرهاصات قلم»، وفي هذا الإصدار الجديد تتخذ تجربة الحب والشوق منحى أكثر عمقًا وتأملًا؛ حيث تتحول الهمهمات إلى أصوات داخلية تختزن الألم والانتظار والوفاء.
وفي حديث له مع "الرؤية"، يقول اليعقوبي إن قصائد الديوان «تعيش داخل الجرح»، ويرى أن اختيار عنوان «همهمات» جاء لأن التجربة في هذا الديوان لم تعد تحتمل الصوت العالي، موضحًا أن بعض المشاعر حين تنضُج لا تصرُخ، بل تنسحب إلى الداخل، وتخرُج كلامًا خفيًا من الصدر قبل أن يبلغ تمام البيان. ويضيف: "لم أرد للعنوان أن يكون إعلانًا صاخبًا عن الحب، وإنما صوتًا منخفضًا يتكرر بين الضلوع حتى يصير قدرًا، أما «العثرة المتعمدة» فلا أعني بها عثرة في اللغة أو الوزن أو الصنعة الشعرية، بل عثرة الروح وهي تحاول أن تقول ما يصعب قوله". ويشير الشاعر إلى أن تجربة الحب الحقيقية لا تسير في خط مستقيم، بل فيها تردد وانتصار وانكسار ومحاولات للنهوض، ولهذا كانت «العثرة» أصدق من ادعاء الوصول، وأقرب إلى الإنسان الذي يحب ويتألم ولا يمتلك دائمًا جوابًا واضحًا.

ويستعرض اليعقوبي مساره الشعري قائلًا: في «دفء هوى» كان الحب دفئًا، وفي «مرسى هوى» كان بحثًا عن مرفأ، وفي «نشوة هوى» بلغ انفعاله وذروته، ثم جاءت «إرهاصات قلم» لتشير إلى تشكُّل التجربة في الكتابة.
أما في «همهمات» فقد تغيرت زاوية النظر لدى اليعقوبي؛ حيث يرى أن الحب لم يعد وعدًا بالطمأنينة وحدها، ولا صار الشوق مجرد حنين جميل، بل أصبح الشوق شبيهًا بالفقد حتى في حضرة الوصل. ويصف الحب في ديوانه الجديد بأنه امتحان أخلاقي طويل للصبر والوفاء وقدرة الروح على احتمال الخسارة. ويقول في هذا السياق: "الحبيبة هنا ملاذ وفتنة، سكينة وسكين في آنٍ واحد، والقلب ليس ضحية بريئة دائمًا، وإنما ساحة صراع، والمُحِب مُحارِب يعرف أن الخسارة قد تكون جزءًا من العشق". ويؤكد الشاعر أن الفرق بين دواوينه السابقة وهذا الديوان هو أنه كان يكتب الحب كما يرجوه ويحلم به، أما في «همهمات» فيكتبه كما اختبره: جميلًا ومؤلمًا، ومنقذًا ومربكًا، وحضورًا يخالطه الخوف من الغياب.
وعن صورة الأنثى في الديوان، يقول اليعقوبي إنها ليست رمزًا مجردًا، وإنما حضور إنساني كامل. ولهذا كانت ملاذًا وفتنة، سكينة وسكينًا، تمنح القلب طمأنينته، لكنها تمتلك في الوقت نفسه القدرة على إيلامه. ويستشهد بعبارة وردت في الديوان: «البحث عن أنتِ بين النساء كالبحث عن إبرة في كومة قش»، موضحًا أنه لا يبحث عن أنثى بلا ملامح، بل عن تلك الواحدة التي لا تتكرر، والتي يُصبح حضورها مُختلفًا عن حضور الجميع. ويرى أن العشق الأرضي لا يتعارض مع العشق الروحي، بل قد يكون طريقًا إليه؛ فالعشق يبدأ من إنسانة محددة، من العين والصوت والحضور والغياب، لكنه حين يصدق يرتقي إلى الوفاء والصبر والتجرُّد والإيثار.
وتظهر ذات «الدرويش» في الديوان في محاولة لتنقية الحب من أغراضه، ويؤكد أن الدرويش ليس شخصية دينية بالمعنى الاصطلاحي، وإنما صورة للمُحِب الذي يتخفف من الحسابات والمقايضات. ويقول: «أخلصتُ في الحب العظيم تقرّبًا للهِ، درويشٌ بدون غطاء»؛ فالغاية أن يُطَهِّر الحب صاحبه من الأنانية والزيف.
وردًا على سؤال حول إمكانية وجود «حُب من أجل الحب» في زمننا، يرى اليعقوبي أنَّ هذا الحب ما يزال ممكنًا، لكنه أصبح أشق وأندر؛ فنحن نعيش زمن السرعة والاستعراض والعلاقات القابلة للاستبدال. ومع ذلك تبقى حاجة الإنسان العميقة إلى الصدق والأمان وإلى شخص يراه كما هو. ويحذر في الوقت نفسه من أن يعني الحب الخالص إلغاء الذات أو الصبر على الإهانة، مؤكدًا أن الدرويش يمنح قلبه لكنه لا ينبغي أن يفقد نفسه.
ويتحدث اليعقوبي عن استخدام الذكاء الاصطناعي في التصميم الفني للديوان، ويُشدد على أنه لا يرى تعارضًا بين الأصالة الشعرية وأدوات العصر ما دام لكل منهما مجاله الواضح. ويقول: "الأصالة تتصل بمنبع القصيدة، بالتجربة التي عشتها، وبالوجع الذي دفعني إلى الكتابة، أما الذكاء الاصطناعي فقد استعنت به في الشكل الذي يقدم به النص إلى القارئ، لا في صناعة التجربة التي أنشأت القصيدة". ويحذر من أن يتحول الشكل العصري إلى ستار يخفي ضعف النص، مستشهدًا ببيت من الديوان: «لا يخدعنك شعرهم وقصيدهم // لبسوا رداء العابثين وقارًا» ويوضح أن التكنولوجيا أداة محايدة، قد تُعين الشاعر الصادق على تقديم عمله بصورة أجمل، وقد تمنح النص الضعيف مظهرًا خادعًا. ويشير إلى الدور المهم للمراجعة البشرية في هذا التوازن، وخصَّ بالذكر الدكتور عيسى بن سعيد الحوقاني الذي كان مراجعًا لهفواته في هذا الديوان وفي الدواوين السابقة، والأستاذة عزة الكلبانية التي بذلت جهدًا كبيرًا معه.
ويخلص اليعقوبي إلى أنَّ التوازن في «همهمات» يقوم على ثلاثة عناصر: تجربة إنسانية أصيلة تنشئ القصيدة، ومراجعة بشرية واعية تصقلها، وتقنية حديثة تحسن طريقة تقديمها؛ فإذا بقي هذا الترتيب محفوظًا ظل الذكاء الاصطناعي خادمًا للإبداع، ولم يتحول إلى بديل عن الشاعر.
