◄ قراءة في "ظفار.. ذاكرة مكان وزمان" لخالد بن سعد الشنفري
خالد بن سالم الغساني
أهداني الصديق وزميل الطفولة، الأستاذ الكاتب خالد بن سعد الشنفري، نسخة من إصداره الجديد «ظفار.. ذاكرة مكان وزمان»، الذي تقرر تدشينه يوم الإثنين 24 أغسطس في مجمع السلطان قابوس الشبابي للثقافة والترفيه بصلالة.
ومنذ أن بدأت أقلّب صفحاته وأتنقل بين موضوعاته، وجدتُني لا أقرأ كتابًا، بقدر ما أفتح- صفحة بعد أخرى- أبوابًا في ذاكرتي أنا. لم أكن قد فرغت من قراءة الكتاب كله حين بدأت أكتب هذه السطور. قرأت ما استطعت، وتنقلت بين موضوعات شدّتني عناوينها، أو أعادتني إلى أماكن وأزمنة أعرفها، ثم وجدت نفسي أعود إلى بعضها مرة أخرى؛ لا لأقرأ ما كتبه صاحبي وحده، بل لأبحث عمّا بقي في داخلي أنا من تلك الأيام.
وأنا أقرأ بعض ما كتب، كنت أجد الكاتب بين السطور والمفردات. عرفته في وفائه للمكان، ولمفردات لغة مجتمعه، وفي احتفائه بتفصيل قد يبدو صغيرًا، لكنه ظل حيًا في ذاكرته، كما ظلت كثير من تلك التفاصيل وما يشبهها عالقة في ذاكرتي وذاكرة أغلب أبناء ذلك الجيل الطيب كل هذه السنوات. وأجده في تلك المسافة التي يتركها أحيانًا بين الحكاية والابتسامة، وفي حنينه إلى أشياء ذهبت، وإلى أناس رحلوا، وإلى الحافة وصلالة وظفار عامةً كما عرفها وعاشها. كل ذلك وأنا لم أقض معه إلا بضع أشهر من بواكير الطفولة في معلمة الأستاذ علي بن طاهر، لكنها كانت كافية لأن تظل رائحة المكان وشخوصه راسخة في ذاكرتي كل هذه السنوات.
ووجدتُ معه كثيرين ممن عاشوا تلك الحقبة. بعضهم حضر باسمه، وبعضهم بصفته أو حكايته، وبعضهم لم يحتج إلى اسم. يكفي أن يصف مكانًا، أو طريقًا، أو مزرعة، أو عادة من عادات الناس، أو شَلّة من شَلّات ذلك الزمان: «نحن نوبة بانلعب بالطنبلة، ودجيج الخور رجعناهن لا وراء»، حتى تخرج من الذاكرة وجوه حسبنا أننا نسيناها، وقهقهات كانت من أجمل لحظات الرفقة والزمالة.
الذاكرة غريبة في أبوابها؛ قد تعجز عن استدعاء إنسان ظل قريبًا منك سنوات، ثم تعيده إليك كلمة واحدة، أو اسم مكان، أو رائحة، أو مشهد ظننته ضاع منذ زمن.
ووجدت نفسي أيضًا.. وجدتها أكثر مما توقعت. يأخذني إلى مكان فأعرفه، ويذكر شيئًا فأبحث عن صورته القديمة، وما يشبهه في رأسي: القفة، الزمبيل، طويرة القضب، القفير، الغب، الغارف، الدكة، التباشير. ويصف مشهدًا فأكمله معه من ذاكرتي. وأحيانًا كنت أشم رائحة المكان وأنا أقرأ، وأتنفس هواءه، وأرى ناسه يتحركون فيه. وفي صفحات أخرى شعرت أنه يكتب شيئًا ظل في داخلي طويلًا ولم أكتبه؛ شيئًا حفظناه معًا، وعشقناه معًا، وحلمنا به، كلٌّ بطريقته.
ربما لأن المكان، حين يسكن الإنسان طويلًا، يصبح جزءًا من لغته، ولأن أبناء الزمن الواحد، مهما اختلفت طرقهم بعد ذلك، يحملون معهم مخزونًا مشتركًا من الصور والأصوات والروائح والحكايات. وحين يفتح أحدهم صندوق ذاكرته، تمتد أيدي الآخرين، من غير قصد، إلى صناديقهم هم أيضًا.
قرأت رحلته «من ناقة علي ضبعان إلى سيارة وانيت اليابان»، فحضرت أمامي، أكثر من حكاية سفر، المسافة الهائلة التي قطعناها، وقطعتها صلالة وظفار معنا، في زمن قصير من عمر المجتمعات؛ من أيام كانت فيها الرحلة بين صلالة ومسقط مغامرة طويلة على ظهور الإبل، لها مشقتها ومحطاتها ومخاطرها، إلى زمن جاءت فيه السيارة، ثم الطريق والطائرة، واختُصرت المسافات التي كانت تُقاس بالأيام إلى ساعات.
وحين قرأت «جحفوف والبطران»، وتوقفت عند حديثه عن أبناء جيلنا الذين عاشوا عصرين مختلفين، وجدتني أقول إنني أيضًا ممن نال الحسنيين. فقد أدركنا شيئًا من صلالة وظفار قبل النهضة؛ عشنا بساطة الستينيات وفقرها وقسوة بعض تفاصيلها، وعرفنا عالمًا كانت فيه الناقة والحمار والبقرة جزءًا من الحياة اليومية، لا صورًا من زمن بعيد. ثم امتد بنا العمر لنشهد النهضة الحديثة وما حملته من طرق ومدارس ومستشفيات وسيارات وطائرات وعمران، ومن تبدل واسع في حياة الناس وعلاقتهم بالمكان والعالم.
ولعل ما حرّك الذاكرة فيّ وأنا أقرأ هاتين الحكايتين هو أننا لم نسمع عن الزمن الأول من آبائنا، ولم نعرف الزمن الثاني من أبنائنا؛ بل عشنا شيئًا من كليهما. رأينا عالمًا ينسحب أمام أعيننا، وعالمًا آخر يولد مكانه، وبقي في الذاكرة من الأول ما يجعلنا، كلما صادفنا اسمًا مشابهًا لجحفوف أو البطران، أو سمعنا عن ناقة، كناقة علي ضبعان، أو وانيت اليابان، لا نستعيد الأشياء وحدها، بل نستعيد معها زمنًا كاملًا وطريقة حياة تكاد اليوم تبدو لأجيال جديدة أبعد مما هي عليه في حساب السنوات.
وتوقفت طويلًا عند «الحافة.. وجدان وليست ذاكرة». أعرف الحافة تلك، ويعرفها كثيرون من أبناء صلالة وظفار عامة، لكن لكل واحد منَّا حافته الخاصة أيضًا؛ حافة البيوت والوجوه والدعون والمساحات المُمتدة، الغب والفجار والدرب والمغاصيص والرصرة والجامع والبساتين، وحافة أناس غابوا وبقيت أسماؤهم معلقة في الأمكنة. وحين يكتب صاحبي عن الحافة، فهو يكتب حافته، لكن حافته تفتح الباب لحافات كثيرة؛ حافاتنا التي نحملها في دواخلنا.
وأخذني «خريف ستينيات صلالة والبارثنيوم وبذور الرودس» إلى خريف آخر، إلى زمن كانت فيه الأشياء أبسط، وكانت عجلة السيكل سيارة، والعصا حصانًا؛ إلى الخط والشير، و، أوووه خلانه، والكروع المشعّرة، والقبة، وچعوعي الخريف وما بعدها من تباشير الفرح؛ عندوووه، وباقرينوع وباغُرّيب ودجاج الجبل.
كانت علاقتنا بالطبيعة أكثر قربًا وحبًا وعفوية. الأرض والمطر والضباب والبساتين والطيور والنارجيل كانت من صميم حياتنا وتفاصيلها اليومية. تغيرت صلالة كثيرًا، وتغيرنا معها، لكن رائحة الأرض بعد المطر يصعب على الذاكرة أن تتخلى عنها.
حتى الأشياء التي تبدو اليوم شديدة العادية تجد لها مكانًا في هذه الصفحات: القفة والزنبيل، الزير، العكاسة والسينما، الدكة، الطريق، السيارة، البذور، الطيور، الأسواق، والمزارع. وهذه الأشياء هي التي شدتني كثيرًا؛ لأنها كانت يومًا جزءًا طبيعيًا من حياتنا، إلى درجة أننا لم نفكر في أنها ستصبح ذات يوم شيئًا يحتاج إلى من يكتبه ويحفظه.
السنوات لا تأخذ الأشخاص وحدهم. تأخذ الكلمات ومفردات اللهجة أيضًا، وتأخذ أسماء الأشياء، وطرائق العيش، والعادات، وأشكال البيوت، ومجالس الناس، وما كانوا يأكلونه ويلبسونه، وكيف كانوا يسافرون ويتسامرون ويفرحون. وما يبقى منها بعد ذلك يعيش في ذاكرة من أدركها، حتى يأتي من يضع شيئًا منها على الورق.
وهنا وجدت قيمة خاصة لما فعله صاحبي. فقد جمع من ذاكرته وذاكرة المكان أشياء كثيرة كان يمكن أن تمضي مع أصحابها في صمت. وحين يكتب الإنسان عن الأشياء التي عاشها بنفسه، فإنِّه يترك لمن يأتي بعده شيئًا من حياة زمن لن يستطيع أن يراه مرة أخرى.
وما أكتبه هنا ليس قراءة نقدية للكتاب بقدر ما هو حديث عن تلك الصحبة القصيرة مع بعض موضوعاته، وعن الأثر الذي تركته الصفحات التي أتيح لي أن أقرأها في نفسي. وربما لهذا السبب أكتب عن إحساسي به أكثر مما أكتب عن محتواه. فما قرأته أعاد إليّ أشياء كثيرة؛ بعضها واضح أستطيع أن أسميه، وبعضها مجرد إحساس بعيد يصعب الإمساك به.
ولا أقول ذلك مُجاملة لصديقي؛ فالكتاب الذي يُعيد إليك شيئًا منك يكون قد فعل أكثر من أن يحكي لك حكاية. وقد فعلت بي صفحات كثيرة من كتابه ذلك. جعلتني أتوقف، وأتذكر، وأبتسم أحيانًا، وأشعر بشيء من الأسى أحيانًا أخرى، وأقول في مواضع كثيرة: نعم، أعرف هذا… لقد كان جزءًا من حياتنا.
أما ما لم أقرأه بعد، فقد تركته لصحبة أطول، بعيدًا عن استعجال القراءة الأولى.
أُهنئ الصديق الأستاذ خالد بن سعد الشنفري على هذا الجهد الكبير، وعلى ما جمعه وحفظه من ذاكرته وذاكرة المكان والناس، وعلى إصراره طوال هذه السنوات على تدوين ذلك كله وإخراجه لنا في هذه الحُلّة.
وأظن أنَّ المكتبة العُمانية، والعربية كذلك، تصبح أغنى بمثل هذه الكتب؛ لأنها تحفظ ما لا نجده دائمًا في كتب التاريخ: الناس كما عاشوا، والأمكنة كما سكنت فيهم، والحياة كما يتذكرها أصحابها.
شكرًا لك يا زميل الطفولة التي بالكاد نستطيع أن نمسك بعض خيوطها؛ فقد كتبت بعضًا من ذاكرتك، وأيقظت في الطريق كثيرًا من ذاكرتنا.
