د. سعيد الدرمكي
ما زلت أذكر تلك العبارة التي رددناها صغارًا دون أن نُدرك معناها: "ضع النقاط على الحروف". لكنها بالنسبة لي لم تكن مجرد عبارة، بل ارتبطت بذكرى لا تزال تسكنني حتى اليوم.
أتذكر تمامًا ذلك اليوم الذي طلب مني معلم اللغة العربية أن أقف أمام الصف. فوقفت على الفور. وبعد لحظات من الصمت والتفكير، قال بصوت ارتفع في أرجاء المكان: اكتب العبارة التالية: "الشمس مظلمة، والقمر ملتهب".
فعلى الرغم من بساطة العبارة، أخفقت في كتابتها. شعرت بإحباط واستياء شديدين، وكأنني فارس وجد نفسه فجأة في معركة لم يستعد لها.
اجتاحني حزن عميق حتى خُيّل إليّ أنه استوطن أعماقي، وأخذت أطرافي ترتجف دون إرادة مني. تناثرت الحروف في ذاكرتي، وتعثر لساني قبل أن أنبس ببنت شفة. لم تستطع دموعي هي الأخرى مقاومة وطأة الألم والخجل اللذين خيّما على وجهي. وكيف لها أن تقاوم، والصف يضم أربعين طالبًا يقهقهون على خيبتي؟ وبينهم ابن عمي، الذي كان رفيق دربي بين المدرسة والبيت، ينظر إليّ بخيبة وازدراء، وكأنَّه يريد أن يقول: "وضعت رأسنا في الأرض يا ابن العم".
أما المعلم، فظل يُردد بصوت مرتفع: "ضع النقاط على الحروف. ضع النقاط على الحروف". لم تكن تلك العبارة تطفئ نار ارتباكي، بل كانت تزيدها اشتعالًا، حتى بدا لي أنَّ الحروف كلها قد تخلت عني.
لا أدري ما الذي أصابني في تلك اللحظة، ولا أيّ عجزٍ اعتراني. وأنا الذي كنت أحظى بتصفيق الزملاء وإشادة المُعلمين، ذلك التشجيع الذي كان يبقى أثره في نفسي أيامًا عدة، ويتجدد في كل مرة. أما في تلك اللحظة، فبدت الحروف غريبة عني، وحتى الكلمات التي طالما صاحبتني لم تعد تعرفني.
عدت إلى مقعدي كمن يحمل أثقال الأرض والسماء على كتفيه. كانت عبارة "سيدُ قومٍ ذل" تتردد في داخلي بلا انقطاع. كنت أعلم أنها ليست في موضعها تمامًا، لكن النفس المنكسرة لا تنتقي كلماتها بعناية، بل تتعلق بكل ما يعبّر عن ألمها.
في تلك الليلة، أثقلني الإرهاق حتى غلبني النوم. وكان من حُسن حظي أن اليوم التالي وافق إجازة الأسبوع، فقلت في داخلي: لعلَّ هذه الاستراحة القصيرة تخفف من وطأة الحدث.
بزغ نور الصباح، وكنت أُمنّي نفسي بأن الليل قد طوى معه شيئًا من ألم الأمس. لكن شيئًا لم يتغير؛ فقد ظل أثر الموقف حاضرًا، وبقيت تفاصيله عالقة في ذهني.
لقد مضت السنون بخيرها وشرها، وظلت الحادثة نائمة في طيات الذاكرة، حتى عادت إليّ ذات يوم كومضة خاطفة. وجدت نفسي أستعيد تفاصيلها، محاولًا أن أفهم ما الذي حدث في ذلك اليوم، وكيف استطاعت عبارة واحدة أن تهز ثقتي باللغة، وتحولها في لحظات إلى عجز وانكسار.
رفعت عينيّ نحو السماء الواسعة، وأخذت أتأمل تلك العبارة من جديد. وبعد تأمل طويل، بدأت أرى أنَّ المشكلة لم تكن في الإملاء وحده، بل في العبارة نفسها التي شتّتت ذهني وأربكت قدرتي على الكتابة؛ إذ كيف تكون الشمس مُظلمة، بينما يكون القمر مُلتهبًا؟ لم تكن صعوبة العبارة في نطقها أو رسم حروفها، بل في معناها الذي اصطدم بما استقر في عقل طفل من منطق الأشياء وحقائقها.
وعندها أدركت أنَّ الطفل لا يخطئ دائمًا لأنه يجهل الإجابة، بل قد يخطئ لأن عقله يحاول أن يصالح بين ما يعرفه حقيقة وما يُطلب منه أن يكتبه. وربما كان ذلك ما حدث لي يومها؛ لم تخني الحروف كما ظننت، ولم تكن النقاط هي التي استعصت عليّ، بل كان المعنى هو الذي أربكني. احتجت إلى سنوات طويلة لأفهم ما حدث لذلك الطفل الذي وقف صامتًا أمام السبورة، عاجزًا عن كتابة جملة بدت للجميع بسيطة. ولعلي، بعد كل تلك السنوات، استطعت أخيرًا أن أضع النقاط على الحروف.
