من زرع مدينة صلالة بالإشارات الضوئية؟

 

 

 

إسماعيل بن شهاب البلوشي

أرجو أن يتقبل أصحاب القرار وجهات النظر المُختلفة، بعيداً عن الانتصار لفكرة فرد أو الدفاع عن قرار لمجرد أنه اتُّخذ؛ فالطريق ليس ملكاً لمهندس أو مسؤول، وكذلك المال العام، وكل قرار فيه يمس وقت النَّاس وسلامتهم وأموال الدولة.

قبل أن أكتب هذا المقال، استمعت إلى عدد من الناس حول الانتشار اللافت للإشارات الضوئية في طرق صلالة الجديدة. قال أحدهم إن بعض مدن العالم تحتفل باختفاء الإشارات، وقال آخر إن مدناً أخرى تتخلص من الدوارات. وكلا الرأيين بهذه الصورة المطلقة غير دقيق؛ فالمدن التي أزالت إشارات أوجدت بديلاً أكثر كفاءة لا يحتاج معه السائق إلى التوقف، والتي أزالت دوارات فعلت ذلك لأنَّ الدراسات أثبتت أنها لم تعد تستوعب الحركة. المسألة هندسة وأرقام، وليست أذواقاً وجماليات.

والمراجع المرورية المعتمدة دولياً تجعل تركيب الإشارة خاضعاً لدراسة تشمل حجم المركبات خلال ثماني ساعات وأربع ساعات وساعة الذروة وسجل الحوادث. وحتى تحقق أحد مبررات الإشارة لا يعني وجوب تركيبها؛ بل يجب إثبات أنها ستحسن السلامة أو التشغيل فعلاً.

ومن هنا أسأل: ما الدراسة الرقمية التي بُني عليها هذا العدد من الإشارات في صلالة؟

وهناك حساب آخر: المال العام؛ فالإشارة ليست عموداً ومصباحاً؛ إنها شراء وتركيب وكابلات وكهرباء وصيانة، وكاميرات لمراقبة المتجاوزين قد تتعدد بتعدد المسارات. وكل ذلك تكلفة مستمرة لسنوات. فمن يتحملها إن لم تكن الإشارة ضرورية، بينما توجد أماكن في عُمان ينتظر أهلها منذ عشرات السنين طريقاً معبداً أمام منازلهم؟ المال العام أمانة، والهندسة ليست أن تستطيع أن تبني، بل أن تثبت أن ما بنيته ضروري وأجدى البدائل.

وشاهدنا فلسفة مشابهة في طريق أدم- هيماء، حين أُنشئت جسور ضخمة في بعض المواقع لمجرد تمكين المركبات من العودة للاتجاه الآخر؛ كلفت المال والوقت وستبقى لها صيانة طوال عمرها. والسؤال ليس: هل الجسر أجمل وأكثر معيارية؟ بل: كم مركبة تستخدمه يومياً؟ وهل كان هناك بديل أبسط وأرخص؟

وفي بعض المواقع أصبح المواطن أو العامل يقطع عشرات الكيلومترات ليصل إلى نقطة العودة ثم يرجع المسافة نفسها، حتى بدأ البعض يكسر الفواصل ليصنع منفذاً للعودة. لا أبرر ذلك، ولكن على المهندس أن يفهم السلوك البشري: هل من المنطقي أن يقطع إنسان عشرين أو ثلاثين كيلومتراً ثم يعود مثلها، بدلاً من دراسة فتحات دوران آمنة وفق طبيعة الطريق؟

واليوم أخشى أن نكرر الفكرة نفسها في صلالة مع الإشارات الضوئية.

صلالة لها طبيعة مرورية خاصة؛ ذروة في يوليو وأغسطس، وحتى خلالهما ليست كل ساعات اليوم ذروة، بينما تنخفض الحركة كثيراً في بقية العام.

خذوا الطريق الجديد بين دوار المعمورة ودوار عين رزات. في أوقات كثيرة ستكون الحركة محدودة جداً. فلماذا أجبر مركبة على التوقف أمام الأحمر ولا توجد مركبة في الاتجاه الآخر؟

هنا تتحول الإشارة من أداة لتنظيم الحركة إلى أداة لصناعة التوقف.

والإشارة غير المبررة ليست دائماً أكثر أماناً؛ فالمراجع الهندسية تحذر من أن الإشارة غير المطلوبة أو سيئة التوقيت قد تجعل التقاطع أقل كفاءة وربما أقل سلامة.

أما الدوار الحديث المصمم بصورة صحيحة فيخفض السرعة ويقلل نقاط التعارض الخطرة. وتشير الإدارة الفيدرالية للطرق الأمريكية إلى أن الدوارات الحديثة من وسائل السلامة المثبتة، وأن تحويل بعض التقاطعات ذات الإشارات إلى دوارات ارتبط بانخفاض كبير في الحوادث المميتة والجسيمة.

وهنا اقتراح عملي: اختبروا إشارات صلالة بالأرقام. وسجلوا الحركة على مدار 24 ساعة، لا ساعة الذروة فقط. احسبوا المركبات في كل اتجاه، وطول الطابور، ومتوسط الانتظار، وعدد مرات التوقف، والمشاة والحوادث وسرعات الاقتراب، ثم قارنوا ذلك هندسياً بالدوار في الموقع نفسه.

لا توجد قاعدة تقول: إذا بلغ الطابور كيلومتراً نضع إشارة، وإذا كان نصف كيلومتر نضع دواراً. القرار يعتمد على التدفق في الطريق الرئيسي والفرعي، والانعطافات، والطوابير، والتأخير، وسعة التقاطع، والمشاة والحوادث والمسافة عن التقاطعات المجاورة. وحتى تنسيق سلسلة إشارات تحكمه معايير ومسافات هندسية؛ فالإشارات ليست قراراً عشوائياً أو جمالياً.

ولدينا تجربة الطريق بين السعادة وصحنوت؛ إشارات كانت توقف المركبات وتتراكم أمامها الطوابير، بينما تمر المركبات عبر دوارات قريبة بانسيابية أكبر، بل إن بعض تلك الإشارات أوقف لاحقاً. فلماذا وضعت؟ ولماذا أوقفت؟ وماذا تعلمنا؟

أنا لا أقول: ألغوا كل الإشارات، ولا أقول: اجعلوا كل التقاطعات دوارات.

أقول شيئاً واحداً: أرونا الحساب. أرونا حجم الحركة الذي استوجب الإشارة، وساعات الذروة وخارجها، وزمن التأخير، ومقارنة البدائل والسلامة. ونعم كرقي الدول المتقدمة إشارة للمشاة بالضغط فقط عند الحاجة لذلك ارونا لماذا اختيرت الإشارة دون الدوار أو التقاطع الحر أو الإشارة الذكية المتكيفة مع الحركة.

فإذا أثبتت الأرقام أن الإشارة أفضل، فنحن أول من يؤيدها. وإذا أثبتت أن الدوار أكثر انسيابية وأماناً وأقل كلفة، فمن الشجاعة الإدارية أن نغير القرار.

وأقترح إخضاع الإشارات الجديدة لتجربة تشغيلية ومراجعة مستقلة، ومقارنتها بالدوارات على طرق مشابهة، خصوصاً خارج موسم الخريف. وإذا كانت الإشارة ضرورية للذروة الموسمية، فالتقنية تسمح بأن تستجيب للحركة الفعلية، فلا يبقى المواطن أمام الأحمر والطريق المقابل خالٍ.

كما أن تكرار وقوف السائق ليلاً أمام إشارة لا تمر أمامها مركبة قد يفقده مع الزمن احترامها ويدفعه إلى تجاوزها، فنكون قد صنعنا سلوكاً خطراً كان يمكن تجنبه بتصميم أذكى.

لذلك فإنَّ سؤالي «من زرع مدينة صلالة بالإشارات الضوئية؟» ليس اتهاماً لشخص ولا خصومة مع جهة، بل سؤال عن منهج اتخاذ القرار.

هل وراء كل إشارة دراسة جدوى فعلية؟ وهل قورنت بالدوار؟ وهل حسبنا دقائق الانتظار التي نأخذها من آلاف الناس يومياً، والوقود والصيانة والمال العام؟ وهل درسنا اختلاف الحركة بين أغسطس ونوفمبر، وبين السادسة مساءً والثالثة فجراً؟

الطريق الناجح ليس الذي يبدو أجمل على مخطط المهندس، بل الذي يخدم الإنسان بأعلى سلامة وأقل توقف وأفضل انسيابية وأقل كلفة.

لا نريد أن تنتصر الإشارة على الدوار، ولا الدوار على الإشارة. نريد أن تنتصر الأرقام والسلامة، وأن يُصان المال العام. وإذا قالت الأرقام إن بعض هذه الإشارات لا ضرورة لها، فليس عيباً أن نزيلها اليوم. العيب أن نكتشف الخطأ ثم نبقيه سنوات لأن أحداً لا يريد أن يسأل: من اتخذ القرار؟ وعلى أي حساب هندسي ومالي اتخذه؟ وهل إنها هواية شخص يطبقها على الجميع؟

الأكثر قراءة

z