السؤال الأدق.. مفاتيح الفهم

 

 

د. عبدالله باحجاج

السؤال هو: إلى أي مدى نحقق التوازن بين البعدين المالي والاجتماعي؟ من الأهمية القصوى طرح هذا السؤال الآن، وهو أكثر إلحاحًا -توقيتًا- خاصة بعد أن نجحت الحكومة في تحقيق التوازن المالي في موازناتها بعد تطبيق خطة التوازن المالي بسنواتها الخمس، وفي الوقت نفسه نجاحها في مضاعفة الإيرادات غير النفطية برقم تاريخي جديد بلغ 903 ملايين ريال عُماني خلال أربعة أشهر فقط.

وهذا النجاح المالي بمصادره المختلفة، بما فيها الضرائب والرسوم، يحتم على فكر الدولة الاستراتيجي طرح ذلك السؤال الأدق، لأن تحقيق التوازن المالي ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق مجموعة غايات، من بينها مالية واقتصادية واجتماعية، وبسبب انشغالاتي بالبعد الاجتماعي وجدت نفسي أمام هذا التساؤل الأدق الذي ينبغي أن يقودنا إلى مجموعة مفاتيح لفهم انعكاسات تحقيق التوازن المالي على المجتمع، وكذلك إلى أي مدى تسد منظومة الحماية الاجتماعية الفراغات الناشئة عن التوجه نحو تبني منظومة الضرائب والرسوم بصورة غير مسبوقة.

وينطلق طرح التساؤل الأدق كذلك من الثقل الذي يحتله البعد الاجتماعي في الدولة، وهو ما يفتح التفكير في قضية التوازن بين البعدين المالي والاجتماعي، وهذا الثقل في الدول العريقة هو مجموعة القوى المجتمعية المتراكمة تاريخيًا التي تمنح أي دولة استقرارها وعمقها، وفي بلادنا يتجلى هذا الثقل في عدة أبعاد أبرزها: الهوية الوطنية، والمؤسسات الاجتماعية كالقبيلة والأسرة والمجتمع المدني، ورأس المال الاجتماعي القائم على الثقة بين الحكومة والمجتمع، وبين أفراد المجتمع أنفسهم، والنخب الفكرية والاقتصادية والدينية التي تسهم في صناعة الرأي العام وتوجيه المجتمع.

وهنا نتحدث عن الرصيد الاستراتيجي لبلادنا، مما يعطي لسؤالنا الأدق مجموعة مفاتيح لفهم ما جرى، وما سيجري، ومن ثم أي مجتمع نصنعه للمستقبل؟ وبالتالي ما ينبغي استدراكه بعد سلسلة النجاحات المالية سالفة الذكر، ومن المعلوم أن تلكم القوى لا تقل أهمية عن الموارد الاقتصادية أو القدرات العسكرية، كما تكشفها الحروب والصراعات الأخيرة، التي لا يزال بعضها قائمًا يبحث عن حل.

ونحن هنا لا ننطلق من قضية معينة دافعة لهذا الطرح، وإنما من مسألة بديهية ينبغي أن تلجأ إليها أي مسيرة تحويلية ذات أبعاد استراتيجية، فبعد الانشغال القوي والنجاح فيه بتحقيق الاستدامة المالية خلال مدىً متوسط، وجعل مديونية الدولة تحت السيطرة، يكون من المنطق الانشغال الآن بالسؤال الأدق، ومن المفاتيح التي تفتح أبواب الفهم المتعدد لمعرفة تأثيرها على رصيدنا الاستراتيجي، وأهم هذه المفاتيح، مفتاح التوازن بين الاستدامة المالية والاستدامة الاجتماعية، وهنا ليست دعوة للعودة إلى الدولة الريعية، وإنما تقييم/ وتقويم الدور الاجتماعي الجديد بعد نجاح تحقيق الاستدامة المالية في ظل بروز مجموعة قضايا، من بينها قضية الباحثين عن عمل والمسرحين وثقل فاتورة بعض الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء... إلخ، وهي تحولات كبرى لا يمكن حلها من خلال السياسة المالية ومنظومة الحماية الاجتماعية، وإنما من خلال بوابة الاقتصاد الإنتاجي الذي هو إحدى مستهدفات الرؤية الوطنية 2040.

فما هي الخطوات التي قطعناها في مجال الاقتصاد الإنتاجي حتى الآن؟ وهل السرعة في تحقيقه تمضي بنفس سرعة تحقيق الاستدامة المالية التي مدتها خمس سنوات؟ في دولة كبلادنا لا يمكن أن يكون خيارها الاستراتيجي سوى الاقتصاد الإنتاجي، لأنه يبني مصادر دخل مستدامة من الصناعة والزراعة والتقنية والسياحة والخدمات اللوجستية والاقتصاد المعرفي، مما يمنح للدولة قدرة أكبر على تمويل الخدمات الأساسية للمواطنين ويوفر فرص عمل -كمًّا ونوعًا- ومن ثم يجعلها في موقع الأقوى في إدارة وسيطرة مجموع القوى الداخلية، وطبيعة القدر المحتوم على بلد مثل بلادنا ذات الثقل الاجتماعي أن تكون هي الأقوى، وهي الوحيدة التي تمتلك القوة المطلقة والتأثير على المجتمع، لذلك كبرى الرهانات هنا على الاقتصاد الإنتاجي، صحيح أنه يتطلب فترة أطول من المدى المتوسط، لكنها كافية لإحداث الانتقال الطموح نحو الاقتصاد الإنتاجي، فكل المقومات متوفرة، والسيولة لدى جهاز الاستثمار العماني جاهزة، والخطط شبه معدة، فماذا ينقصنا؟

نحن الآن في مرحلة نقترح الجمع بين التقييم لقياس النتائج، والتقويم لتصحيح المسار -إن وجد- مهما كانت المؤشرات مطمئنة، فهي لا تغني عن التقييم والتقويم المستمرين، فالمؤشرات قد تعطي انطباعًا، أما المعلومات الدقيقة فتمنح يقينًا، وخيارنا الوطني مع النتائج اليقينية، وليس مع الانطباعات، لذلك من الأهمية الوطنية إقامة مركز وطني للتقييم والتقويم لكي يسهم في رفع كفاءة الأداء المؤسسي وصناعة القرار على أسس علمية، ويخدم الجهات الحكومية والمجتمع، بحيث تكون رسالته إجراء عمليات تقييم وتقويم علمية ومحايدة للسياسات والبرامج والمشروعات والمؤسسات، وتقديم حلول عملية تسهم في رفد الكفاءة وتحقيق الأثر التنموي والاجتماعي.

وأي تراجع في الدول العريقة في ترسيخ الهوية الوطنية الجامعة، وإدارة التوازنات الاجتماعية بذكاء، والسماح بمنافسة قوتها الاجتماعية، ستبرز الهويات والانتماءات الفرعية... لأن هناك فراغًا، ما لم تشغله الدولة -بالمفهوم المجرد- سيُشغل من قبل القوى الداخلية وحتى الخارجية، فقدر مثل هذه الدولة أن تحتكر السلطة الشرعية، ودمج المكونات الاجتماعية ضمن مشروع وطني جامع، وجعل بوصلة الولاء والانتماء فوقية، وليس رأسية، ولا يمكن أن تقتبس تجارب خارجية تعوم البوصلة، وتطلق للقوى الداخلية والخارجية اكتساب الشرعية الاجتماعية عبر استغلال الفراغات في أدوار الدولة الاجتماعية، هنا وعي عميق يشرعن طرح التساؤل العميق.

 

الأكثر قراءة

z