حراسة السؤال

 

 

 

 

فوزي عمار

 

ليس من واجب المثقف أن يُسكت الأصوات؛ بل أن يُبقي على القدرة على السؤال.

عندما نطوي صفحة المثقف الذي كان يتحدث باسم الإنسانية جمعاء، كما فعل سارتر في دفاعه عن الحرية والعدالة، ونطوي أيضًا صفحة المثقف الذي كشف عن خيوط السلطة في المؤسسات والخطابات مثل فوكو، نجد أنفسنا أمام مشهد أفول دراماتيكي.

لم يعد المثقف في زمن العولمة والاستهلاك الثقافي نبيًّا ينزل من الجبل بحقيقة مطلقة، ولا مهندسًا اجتماعيًا يخطط لمستقبل البشرية. لقد تحول في أسوأ أحواله، إلى بضاعة تقدم في برامج تلفزيونية، أو موظف مأجور ينتج شرعية لمنظومات السلطة خاصة بعد تراجع تيار اليسار في العالم.

لكن بين هذا الأفول وهذه التوظيفات، يظل هناك دور واحد شجاع، دور لا يتطلب موقعًا متعاليًا خارج نسق المعرفة، بل يتطلب وعيًا بحدود هذا النسق. ذلك الدور هو حراسة السؤال.

السلطة، أي سلطة كانت، سياسية كانت أم معرفية، تعشق اليقين. الإجابة هي وقودها؛ فهي تُنهي الحيرة وتغلق الباب أمام الاحتمالات وتصنف الناس بين تابع ومتمرد.

حين كان المثقف يمتلك الإجابة عن الاستعمار، والعدالة، والتاريخ، كان يمارس شكلًا من أشكال العنف الرمزي، حتى وإن كان بنية حسنة. لقد علّمنا فوكو أن الحقيقة ليست شيئًا نكتشفه في الخارج، بل هي شيء يُنتج داخل شبكات السلطة. فكيف لمن يعيش في قلب هذه الشبكات أن يمتلك الحقيقة الكاملة؟

حراسة السؤال ليست ترددًا؛ بل هي موقف أخلاقي وسياسي بامتياز. إنها تعني أن يظل المثقف مخلصًا لمسؤولياته فلا يفرض رؤيته الفلسفية لتقديم حلول جاهزة، بل لكشف ما تخفيه الحلول الجاهزة من عوار.

في عصر يتداخل فيه الإعلام والترفيه؛ حيث تتحول الثقافة إلى سلعة تستهلك في ثوانٍ معدودة، يصبح السؤال هو آخر معاقل الحرية. فالمجتمع الذي يحافظ على قدرته على طرح الأسئلة الجوهرية عن العدالة في زمن الربح، عن الجمال في زمن القبح، عن المعنى في زمن العبث هو مجتمع يمارس مقاومة بطيئة لكنها عميقة للاستلاب.

حارس السؤال لا يخشى الاعتراف بأن مؤسسته (الجامعة، المختبر، الصحيفة) تفرض عليه قواعد معينة؛ لكنه يستغل أدوات هذه المؤسسة لكشف تناقضاتها.

مسؤولية المثقف الحفاظ على الدهشة فإذا كانت السلطة تسعى دائمًا إلى تحويل الأسئلة المفتوحة إلى إجابات مغلقة، فإنَّ مهمة المثقف المعاصر هي العكس تمامًا: تحويل الإجابات المغلقة إلى أسئلة مفتوحة مجددًا.

حراسة السؤال هي شكل من أشكال التواضع المعرفي، ولكنها أيضًا شكل من أشكال المقاومة السياسية العميقة. إنها رفض اختزال الإنسان إلى حالة، ورفض تحويل المعرفة إلى عقيدة، ورفض تحويل المثقف نفسه من كائن يتساءل إلى كائن يُستعمل.

المثقف الذي يحرس السؤال لا يمنح شعبه سمكة، بل يعلمه كيف يشك في شبكة الصيد ذاتها وهذا في جوهره هو النقد الأكثر فعالية وهو الحرية ذاتها.

الأكثر قراءة

z