تشو شيوان
برأيي، يمثل إدراج مواقع صناعة الخزف الحرفي في مدينة جينغدتشن الصينية على قائمة التراث العالمي لليونسكو محطة تاريخية تتجاوز حدود الاعتراف بمواقع أثرية أو حرف تقليدية، فهو اعتراف بإحدى أهم الصفحات التي جسدت إسهام الحضارة الصينية في تطور الحضارة الإنسانية. فالخزف الذي خرج من أفران جينغدتشن لم يكن مجرد منتج صناعي أو قطعة فنية للزينة، بل كان شاهدًا على قرون من الإبداع، والتبادل الثقافي، والانفتاح بين الصين والعالم.
لقد عُرفت جينغدتشن منذ أكثر من ألف عام بأنها «عاصمة الخزف» في الصين، واكتسبت مكانة استثنائية بفضل جودة منتجاتها ودقة صناعتها، حتى أصبحت اسمًا مرادفًا للخزف الصيني في مختلف أنحاء العالم. وعلى امتداد قرون، كانت منتجاتها تصل إلى آسيا، والشرق الأوسط، وأفريقيا، وأوروبا عبر طرق التجارة القديمة، ولا سيما طريق الحرير البري والبحري، حاملةً معها ليس فقط البضائع، بل أيضًا الثقافة الصينية وفلسفة الإتقان التي ميزت الحرفيين الصينيين عبر الأجيال.
وأجد أن ما يمنح هذا الإدراج أهمية استثنائية هو أنه لا يقتصر على حماية مبانٍ أو مواقع تاريخية منفردة، وإنما يوثق، للمرة الأولى، سلسلة صناعية متكاملة على قائمة التراث العالمي. فمن استخراج المواد الخام، إلى توفير الوقود اللازم للأفران، مرورًا بورش التصنيع، وأساليب الحرق، والتزجيج، والرسم، ووصولًا إلى الموانئ والممرات المائية التي كانت تنقل الخزف إلى أنحاء العالم، تقدم مواقع جينغدتشن صورة متكاملة عن منظومة إنتاج متقدمة سبقت عصرها بقرون. وهذا يعكس تطورًا في مفهوم التراث العالمي، الذي بات ينظر إلى المعرفة، والمهارات، وأساليب الإنتاج باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الإنسانية.
ومن وجهة نظري، فإن هذا الاعتراف يعكس أيضًا تقديرًا متزايدًا للدور الذي لعبته الصين في تاريخ التجارة العالمية. فكثيرًا ما تُروى قصة طريق الحرير من منظور تبادل السلع، لكن الحقيقة أن تلك الطرق كانت فضاءات للحوار الحضاري، انتقلت عبرها الأفكار، والفنون، والتقنيات، والعادات بين الشعوب. وكان الخزف الصيني أحد أبرز الرموز التي حملت صورة الصين إلى العالم، تمامًا كما حملت الصين، من خلال هذه الطرق، منتجات وثقافات وحضارات أخرى، في نموذج مبكر للتفاعل الحضاري القائم على المنفعة المتبادلة والاحترام المتبادل.
كما أرى أن إدراج جينغدتشن يحمل رسالة مهمة في وقت يشهد فيه العالم تغيرات متسارعة بفعل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي. ففي خضم هذا التطور، تبرز الحاجة إلى حماية الحرف التقليدية التي تجسد الخبرة الإنسانية المتراكمة عبر القرون. فهذه الحرف ليست مجرد وسائل للإنتاج، بل تمثل قيمًا ثقافية، وهوية تاريخية، وأساليب تفكير تشكلت عبر أجيال طويلة. وحماية هذا التراث لا تعني الوقوف في وجه الحداثة، بل تعني الجمع بين الأصالة والابتكار، بحيث تستمر هذه الحرف في التطور دون أن تفقد روحها.
ولعل التجربة الصينية في جينغدتشن تقدم نموذجًا عمليًا لهذا التوازن. فالصين لم تتعامل مع المدينة باعتبارها متحفًا مفتوحًا للماضي، بل عملت على إحياء صناعاتها التقليدية، وتشجيع الحرفيين الشباب، وتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية، وربطها بالسياحة، والتعليم، والبحث العلمي. وبهذا أصبحت الحرفة التقليدية مصدرًا لفرص العمل والتنمية الاقتصادية، وفي الوقت نفسه وسيلة للحفاظ على الهوية الثقافية ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
وبرأيي، فإن أهمية هذا الإنجاز لا تقتصر على الصين وحدها، بل تمتد إلى المجتمع الدولي بأسره. فقرار اليونسكو يؤكد أن التراث الإنساني لا يُقاس فقط بعظمة القصور، أو المعابد، أو المدن القديمة، وإنما أيضًا بما أبدعته الأيدي البشرية من معارف، وتقنيات، ومهارات تركت أثرًا في مسيرة الحضارة الإنسانية. وعندما تحظى صناعة الخزف في جينغدتشن بهذا الاعتراف، فإن الرسالة هي أن الإبداع الإنساني، مهما كان شكله، يستحق الحماية والتقدير.
ومن اللافت أيضًا أن الخزف الصيني كان، عبر التاريخ، من أكثر المنتجات التي عكست روح الانفتاح الثقافي. فقد تأثرت زخارفه وألوانه أحيانًا بالأذواق القادمة من مناطق مختلفة، كما أثرت منتجاته في فنون الخزف في بلدان عديدة. وهذا التفاعل يؤكد أن الحضارات لا تتقدم بالعزلة، وإنما بالحوار، والتبادل، والتعلم المتبادل، وهو المبدأ الذي ما زالت الصين تؤكد أهميته في علاقاتها الثقافية مع مختلف دول العالم.
وأعتقد أن إدراج جينغدتشن على قائمة التراث العالمي سيمنح المدينة زخمًا جديدًا في مجالات البحث العلمي، والسياحة الثقافية، والتعاون الدولي. فمن المتوقع أن يستقطب هذا الإنجاز مزيدًا من الباحثين، والمؤرخين، والفنانين، والمهتمين بالتراث من مختلف الدول، الأمر الذي سيسهم في تعميق الفهم العالمي لتاريخ صناعة الخزف، ولدور الصين في تطور الصناعات التقليدية العالمية.
وفي الوقت نفسه، يمكن لهذا الإنجاز أن يشجع دولًا أخرى على إعادة اكتشاف تراثها الحرفي، وتوثيقه، وحمايته، لأن الحفاظ على التراث لا يعني فقط حماية الماضي، بل الاستثمار في المستقبل. فالتراث الثقافي يمثل موردًا للتنمية، ووسيلة لتعزيز الهوية الوطنية، وجسرًا للتواصل بين الشعوب.
وفي الختام، أجد أن إدراج مواقع صناعة الخزف الحرفي في جينغدتشن على قائمة التراث العالمي هو أكثر من مجرد إنجاز ثقافي للصين؛ إنه اعتراف بقيمة العمل الإنساني والإبداع المتوارث عبر الأجيال. كما أنه يذكرنا بأن الحضارات تُبنى ليس فقط بالإنجازات السياسية أو الاقتصادية، بل أيضًا بما تنتجه العقول والأيدي من فنون ومعارف قادرة على عبور الحدود والزمن. وستبقى جينغدتشن، كما كانت طوال أكثر من ألف عام، رمزًا للإبداع الصيني، وجسرًا للحوار الثقافي، ودليلًا على أن التراث عندما يُصان ويُطور، يصبح قوة ناعمة تسهم في تعزيز التفاهم بين شعوب العالم، وبناء مستقبل أكثر انفتاحًا وتعاونًا.
