كيف ترسم الصين مستقبل الرياضة حتى 2030؟

 

 

 

تشو شيوان

أعلنت الصين خطة خمسية جديدة للفترة من 2026 إلى 2030 لتطوير اللياقة البدنية الوطنية وتعزيز الصحة من خلال الرياضة، في خطوة تعكس تحولًا واضحًا في نظرة البلاد إلى النشاط الرياضي باعتباره جزءًا من جودة الحياة والتنمية الاجتماعية. وتستهدف الخطة رفع مساحة المنشآت الرياضية المتاحة للفرد إلى نحو أربعة أمتار مربعة، وزيادة نسبة السكان الذين يمارسون الرياضة بانتظام إلى نحو 40 في المئة، ورفع نسبة السكان الذين يتمتعون بمستوى جيد من اللياقة البدنية إلى 31.1 في المئة. وتأتي هذه الأهداف بعد توسع كبير في البنية التحتية الرياضية، إذ أضافت الصين في عام 2025 أكثر من 160 ألف منشأة رياضية، ليتجاوز إجمالي المنشآت خمسة ملايين منشأة.

وككاتب صيني أجدُ أن أهمية هذه الخطة لا تكمن فقط في الأرقام، وإنما في الفلسفة التي تقف خلفها، فالصين لا تريد أن تبقى الرياضة نشاطًا يقتصر على الرياضيين المحترفين أو البطولات الكبرى، بل تريد أن تصبح جزءًا من الحياة اليومية للمواطن، وبرأيي فإن هذا التحول يمثل مرحلة جديدة في مسيرة الرياضة الصينية؛ فبعد عقود ركزت خلالها البلاد على صناعة الأبطال وحصد الميداليات، يأتي التركيز الآن على بناء مجتمع رياضي واسع يشارك فيه الأطفال والشباب والموظفون وكبار السن.

وتظهر هذه الرؤية في الجهود الرامية إلى تقريب المنشآت الرياضية من الأحياء السكنية، بحيث يجد المواطن ملعبًا أو مسارًا للمشي والجري أو مساحة لممارسة الرياضة بالقرب من منزله. وأرى أن هذه الفكرة ستكون مؤثرة بصورة خاصة في المدن الصينية، حيث ستصبح المنشآت والمساحات الرياضية جزءًا من التخطيط الحضري، تمامًا مثل المدارس والمرافق الصحية.

كما أن الصين تربط الرياضة بصورة متزايدة بالصحة العامة. فالهدف لم يعد فقط الفوز في المنافسات، وإنما تشجيع الناس على اتباع نمط حياة أكثر نشاطًا، والاستثمار في الملاعب والحدائق ومسارات المشي ليس إنفاقًا على الترفيه فحسب، بل هو استثمار طويل الأمد في صحة المجتمع وجودة حياة السكان.

وعند الحديث عن الرياضة الصينية، لا يمكن تجاهل الإنجازات الأولمبية الكبيرة، فقد حققت الصين في أولمبياد باريس 2024 أربعين ميدالية ذهبية، إلى جانب 27 فضية و24 برونزية، بمجموع 91 ميدالية. وقد حافظت على قوتها في رياضات مثل الغوص وتنس الطاولة ورفع الأثقال والريشة الطائرة، فيما بدأت تحقق اختراقات في رياضات أخرى، مثل فوز تشنغ تشين ون بذهبية التنس.

وأرى أن الخطة الجديدة يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في مستقبل الرياضيين الصينيين، لأنها توسع قاعدة الممارسة الرياضية وتزيد فرص اكتشاف المواهب. فكلما مارس ملايين الأطفال والشباب الرياضة، أصبحت المدارس والأندية والمجتمعات المحلية مصادر أكبر لاكتشاف الرياضيين القادرين على الوصول إلى المنافسات الاحترافية والدولية، وقد يساعد ذلك الصين على الحفاظ على تفوقها في الرياضات التقليدية، وفي الوقت نفسه تطوير حضورها في رياضات جديدة.

ومن المتوقع أيضًا أن تلعب التكنولوجيا دورًا أكبر في هذه المرحلة، خصوصًا مع تطور الذكاء الاصطناعي والأجهزة القابلة للارتداء وتحليل البيانات في الصين، ويمكن أن تستخدم هذه التقنيات لتحسين التدريب، ومتابعة اللياقة البدنية، وتصميم برامج رياضية شخصية، ورفع مستوى أداء الرياضيين.

وفي الوقت نفسه، تتحول الرياضة إلى صناعة اقتصادية ضخمة فقد بلغ إجمالي الناتج الاقتصادي لصناعة الرياضة الصينية نحو 3.84 تريليون يوان في عام 2024، ومع ارتفاع عدد الممارسين ستتوسع أسواق المعدات والملابس والأندية والتدريب والتكنولوجيا والسياحة والفعاليات الرياضية.

وهنا أرى أن الخطة يمكن أن تؤثر أيضًا في مكانة الصين على خريطة الرياضة العالمية، فالصين لا تريد فقط إرسال رياضييها إلى البطولات، بل تريد أن يأتي العالم إليها. وقد أثبتت مدن مثل بكين وشنغهاي وهانغتشو قدرتها على استضافة الأحداث الرياضية الكبرى، مستفيدة من البنية التحتية الحديثة وشبكات النقل والمنشآت المتطورة، ومع زيادة عدد الفعاليات، يمكن أن تتحول الرياضة إلى وسيلة لجذب السياح والاستثمارات والشركات العالمية.

كما يمكن للصين أن تصبح مقصدًا دوليًا متزايد الأهمية للبطولات الرياضية، خاصة أنها تمتلك سوقًا جماهيرية ضخمة، وقدرات تنظيمية متقدمة، وخبرة تراكمت من استضافة أولمبياد بكين 2008 والألعاب الأولمبية الشتوية 2022 وغيرها من البطولات الدولية.

وفي النهاية، ككاتب صيني، أجد أن القيمة الحقيقية للخطة لا تقاس بعدد الملاعب أو الميداليات فقط، بل بقدرتها على تغيير علاقة المواطن بالرياضة. فإذا أصبح النشاط البدني عادة يومية لمئات الملايين، وإذا أصبحت المنشآت الرياضية جزءًا من الحياة اليومية للمدن، فإن الصين ستكون قد انتقلت من مرحلة صناعة الأبطال إلى مرحلة بناء مجتمع رياضي متكامل.

وبرأيي، فإن هدف الوصول إلى 40 في المئة من السكان الذين يمارسون الرياضة بانتظام بحلول 2030 يحمل رسالة أعمق: الصين لا تريد فقط أن تكون دولة تحصد الذهب في الألعاب الأولمبية، بل دولة يعيش شعبها الرياضة كل يوم. وإذا نجحت في تحقيق ذلك، فقد لا تصبح الصين قوة رياضية أولمبية فحسب، بل واحدة من أهم مراكز الرياضة العالمية ومقصدًا للبطولات والرياضيين والجماهير من مختلف أنحاء العالم.

الأكثر قراءة

z