قوة المليارين: تحويل العبادات إلى طاقة حضارية.. أرقام أم عمل؟

 

 

 

حسن بن علي جواد اللواتي

بدأت فكرة هذا المقال بسؤال بدا بسيطًا في ظاهره: كم مرة يقرأ المسلمون سورة الفاتحة في اليوم الواحد؟

لكن هذا السؤال الحسابي قادني إلى تساؤلات أكبر: كم عدد المسلمين في العالم؟ وكم منهم يقرأ القرآن الكريم؟ وكم مسلمًا يختم المصحف مرة واحدة على الأقل في السنة؟ وكم يبلغ عدد حفاظ القرآن تقريبًا؟

ثم اتسعت دائرة التفكير أكثر، فلم يعد السؤال متعلقًا بالأرقام وحدها، بل بما تحمله هذه الأرقام من قوة روحية وبشرية واقتصادية واجتماعية هائلة.

إذا كان عدد المسلمين يتجاوز ملياري إنسان، ويجمعهم الإيمان بإله واحد، وكتاب واحد، ورسول واحد، وقِبلة واحدة، وشعائر مشتركة، فلماذا لا تنعكس هذه الوحدة في صورة قوة علمية واقتصادية واجتماعية وحضارية تتناسب مع عددهم وإمكاناتهم؟

ولا يهدف هذا السؤال إلى التقليل من شأن المسلمين، أو إنكار ما حققوه من إنجازات عبر التاريخ وفي الحاضر، كما لا يصح إصدار حكم واحد على شعوب تختلف في أوضاعها السياسية والاقتصادية والثقافية. إنما هي محاولة للتأمل في المسافة بين ما نملكه من قيم وطاقات، وبين ما يظهر منها فعليًا في واقعنا.

فحين نحسب عدد الصلوات، وقراءات الفاتحة، وأيام الصيام، وأموال الزكاة، وأعداد الحجاج والمعتمرين، نصل إلى أرقام يصعب تصورها. لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في ضخامتها وحدها، بل في السؤال الذي تضعه أمامنا: كيف يمكن تحويل هذه القوة الإيمانية والبشرية إلى علم وعمل وعدل وتنمية، وإلى مشروع حضاري يخدم المسلمين والإنسانية؟

أمة يتجاوز عددها ملياري إنسان

يبلغ عدد المسلمين في العالم نحو ملياري إنسان أو أكثر، أي ما يقارب ربع سكان الأرض. وهم موجودون في جميع القارات، وينتمون إلى لغات وأعراق وثقافات متعددة. ولا يعيش معظم المسلمين في منطقة واحدة، كما أنهم لا ينتمون إلى شعب أو قومية واحدة. فهناك مئات الملايين في آسيا، وأعداد كبيرة في إفريقيا والشرق الأوسط، إضافة إلى مجتمعات إسلامية واسعة في أوروبا والأميركتين وأستراليا.

وحتى في الدول التي لا يشكل فيها المسلمون أغلبية السكان، توجد أحيانًا أعداد تفوق أعداد سكان دول إسلامية كاملة، كما هي الحال في الهند والصين وروسيا وبعض الدول الإفريقية والأوروبية.

وعلى الرغم من هذا التنوع الواسع، يجتمع المسلمون على أصول كبرى، في مقدمتها الإيمان بالله الواحد، والقرآن الكريم، ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والعبادات التي تنظم علاقة الإنسان بربه ونفسه ومجتمعه.

وهنا يظهر أول وجه من وجوه القوة الكامنة: أمة بهذا الحجم تملك أساسًا مشتركًا يمكن أن يكون منطلقًا للتعاون في التعليم والبحث العلمي والاقتصاد ومكافحة الفقر وخدمة الإنسان.

غير أن واقع كثير من المجتمعات الإسلامية لا يتناسب دائمًا مع حجمها السكاني أو مواردها الطبيعية والمالية. فهناك ضعف في البحث العلمي، وتفاوت اقتصادي، ونزاعات سياسية، وانقسامات قومية ومذهبية، واعتماد كبير على الخارج في التكنولوجيا والصناعة والمعرفة.

ولذلك لا يعود السؤال الأساسي هو: كم عدد المسلمين؟

بل: كيف يمكن لهذا العدد أن يتحول من قوة كامنة إلى قوة فاعلة؟

التوحيد: وحدة العقيدة والغاية

ينطق المسلم بالشهادتين:

أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.

وهذه الكلمات تمثل إعلانًا لوحدة الخالق والغاية والمرجعية. فالمسلمون، رغم اختلاف أوطانهم ولغاتهم وألوانهم، يجتمعون على الإيمان بالله الواحد.

قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.

لكن التوحيد لا ينبغي أن يبقى فكرة ذهنية أو عبارة ينطق بها اللسان فقط، بل يفترض أن ينعكس على حياة الإنسان، فيحرره من عبودية المال والسلطة والشهوة، ويجعله أكثر عدلًا وأمانة ومسؤولية.

فإذا كان المسلمون يوحدون الله في عقيدتهم، فمن الطبيعي أن يبحثوا أيضًا عن مساحات الوحدة في مصالحهم الكبرى، دون أن يلغي ذلك تنوعهم الثقافي أو اختلافهم في الاجتهادات والتجارب السياسية.

إن الاتفاق على أصل العقيدة لا يعني التطابق الكامل في كل شيء، لكنه يوفر أرضية مشتركة واسعة للتعاون والتكافل والتفاهم.

الصلاة: قِبلة واحدة واتجاه واحد

بعد وحدة العقيدة تأتي وحدة الاتجاه؛ فالمسلمون، أينما كانوا، يتجهون في صلاتهم نحو الكعبة المشرفة في مكة المكرمة. وبسبب اختلاف التوقيت بين بلدان العالم، تتعاقب مواقيت الصلاة من الشرق إلى الغرب، حتى يبدو وكأن الأذان لا ينقطع عن الأرض.

وتتكون الصلوات الخمس المفروضة من سبع عشرة ركعة يوميًا: وتُقرأ سورة الفاتحة في كل ركعة  مع وجود بعض التفاصيل الفقهية المتعلقة بقراءة المأموم خلف الإمام.

ولا توجد إحصائية عالمية موحدة تحدد نسبة المسلمين الذين يؤدون الصلوات الخمس يوميًا؛ إذ تختلف النسب من دولة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر. ولذلك فإن الحسابات المتعلقة بعدد قراءات الفاتحة ينبغي أن تقدم بوصفها تقديرات مبنية على افتراضات، لا أرقامًا نهائية.

فإذا افترضنا أن نصف المسلمين تقريبًا، أي نحو مليار إنسان، يؤدون الصلوات الخمس، فإن عدد قراءات سورة الفاتحة في الفرائض وحدها قد يبلغ:

مليار مصلٍّ × 17 ركعة = 17 مليار قراءة يوميًا.

وخلال سنة واحدة:

17 مليارًا × 365 يومًا = نحو 6.2 تريليون قراءة.

وهذا الرقم لا يشمل صلوات السنن والنوافل، ولا صلاة التراويح والقيام، ولا قراءة الفاتحة خارج الصلاة.

إنها أرقام فلكية بالفعل، لكنها لا تثير الدهشة بسبب حجمها فقط، بل بسبب المعاني التي يكررها المسلمون في كل قراءة.

وفي كل ركعة يقول المسلم ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. إنها ليست مجرد كلمات تُردد، بل دعاء وطلب والتزام أخلاقي. فالمسلم يسأل الله أن يهديه إلى الطريق المستقيم، لكن هذا الطلب يفقد جانبًا من أثره إذا لم يصاحبه سعي عملي نحو الاستقامة.

وفق الافتراض السابق، يمكن أن تتكرر هذه الآية أكثر من ستة تريليونات مرة في السنة.

وهنا يبرز السؤال: ماذا لو تحول جزء صغير فقط من هذا التكرار إلى ممارسة يومية واعية؟

ماذا لو انعكس طلب الصراط المستقيم على الصدق في التجارة، والأمانة في الوظيفة، والعدل في الحكم والقضاء، والإتقان في الصناعة، واحترام الوقت، والمحافظة على المال العام، والرحمة بالضعفاء، والوفاء بالعهود!

عندئذ تتحول الصلاة من أداء فردي إلى طاقة أخلاقية قادرة على تغيير المجتمع.

قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.

وهذا يعني أن أثر الصلاة لا يقاس بعدد الركعات وحدها، بل بما تحدثه من تغيير في سلوك المصلي.

إن قولنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إعلان للعبودية لله، وقولنا: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ اعتراف بالحاجة إلى عونه، أما قولنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فهو طلب لأن تتحول العبادة والاستعانة إلى طريق واضح في الحياة.

القرآن الكريم بين التلاوة والتدبر

لا توجد إحصائية عالمية دقيقة تحدد عدد المسلمين الذين يقرؤون القرآن يوميًا، أو الذين يختمون المصحف مرة واحدة على الأقل خلال العام.

وقد يكون من السهل الوصول إلى أرقام تقديرية، لكن الأمانة العلمية تقتضي عدم تقديمها باعتبارها حقائق موثقة.

من الناحية الحسابية، يتكون المصحف في الطبعة الشائعة من نحو 604 صفحات. ولذلك يستطيع المسلم أن يختم القرآن مرة واحدة خلال سنة بقراءة:

604 صفحات ÷ 365 يومًا = نحو 1.65 صفحة يوميًا.

أي إن قراءة صفحتين يوميًا تقريبًا تكفي لختم القرآن مرة واحدة في السنة.

ويكشف هذا الحساب أن ختم القرآن مرة سنويًا ليس أمرًا صعبًا من حيث الوقت، لكن السؤال الأهم لا يتعلق بعدد الختمات وحده، بل بمدى الفهم والتدبر والعمل.

قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.

فالقرآن لم ينزل ليكون نصًا يُتلى فقط، بل ليبني تصور الإنسان عن الحق والعدل والعلم والمسؤولية.

ويمكن وضع سيناريوهات حسابية لتصور الحجم، لا لادعاء وجود إحصائية فعلية:

  • إذا ختم 1% من المسلمين القرآن مرة في السنة، فهذا يعني نحو 20 مليون ختمة.
  • وإذا ختمه 5%، فقد يصل العدد إلى نحو 100 مليون ختمة.
  • وإذا ختمه 10%، فقد يبلغ نحو 200 مليون ختمة.
  • لكن هذه الأرقام افتراضية، ولا ينبغي تحويلها إلى حقائق إلا إذا دعمتها دراسات موثوقة.

كم يبلغ عدد حُفَّاظ القرآن؟

لا يوجد سجل عالمي شامل يُحصي حُفَّاظ القرآن الكريم؛ فالحفظ يتم في المساجد والمدارس القرآنية والكتاتيب والمعاهد والمنازل، ولا يدخل كثير من الحفظة في قواعد بيانات رسمية.

كما أن الأرقام المنشورة عبر الإنترنت شديدة التفاوت، وبعضها يقدر العدد ببضعة ملايين، بينما يرفعه بعضها الآخر إلى عشرات الملايين أو أكثر، دون وجود منهج إحصائي عالمي موحد.

لذلك فإن الصياغة الأكثر دقة هي: يبلغ عدد حفاظ القرآن في العالم عدة ملايين، وربما عشرات الملايين، لكن لا يتوافر حتى الآن رقم عالمي موثق يمكن اعتماده.

ويمثل حفظ القرآن ظاهرة إنسانية استثنائية؛ إذ يحفظه كاملًا عدد كبير من الناس بلغته الأصلية، ومن بينهم ملايين لا يتحدثون العربية لغة أمًّا.

لكن قوة الحفظ ينبغي أن تكتمل بقوة الفهم والعمل. فليس المقصود أن يبقى القرآن محفوظًا في الصدور فقط، بل أن تظهر قيمه في السلوك والمؤسسات والحياة العامة.

وقد يكون من المفيد إنشاء قاعدة بيانات دولية موثوقة لحفاظ القرآن، والمدارس القرآنية، والإجازات المعتمدة، حتى يمكن قياس هذا الإنجاز بصورة أدق.

الزكاة: قوة اقتصادية واجتماعية هائلة

تمثل الزكاة نظامًا ماليًا وأخلاقيًا يربط العبادة بالمسؤولية تجاه المجتمع. وهي ليست تبرعًا اختياريًا، بل حق مالي له مصارف محددة.

ومن الصعب معرفة القيمة الفعلية للزكاة التي يدفعها المسلمون سنويًا؛ لأن جانبًا كبيرًا منها يُعطى مباشرة من المزكي إلى المستحق، أو يُدفع نقدًا أو عينًا بعيدًا عن المؤسسات والسجلات الرسمية.

وتتحدث تقديرات مختلفة عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن أن تمثل حجم الزكاة عالميًا، لكن الفارق كبير بين حجم الزكاة المحتمل، وبين ما يُجمع فعليًا ويُدار من خلال مؤسسات رسمية.

وهنا تكمن فرصة ضخمة.

فلو أُدير جزء أكبر من أموال الزكاة من خلال مؤسسات موثوقة وشفافة وكفؤة، مع الالتزام الكامل بمصارفها الشرعية، لأمكن أن تسهم بصورة أكبر في:

  • علاج المرضى غير القادرين.
  • تعليم أبناء الأسر المحتاجة.
  • مساعدة المدينين.
  • تأهيل الباحثين عن العمل.
  • دعم المشروعات الصغيرة للمستحقين.
  • إغاثة اللاجئين والمنكوبين.
  • نقل الأسر من الحاجة المؤقتة إلى الاستقلال والإنتاج.

ليست المشكلة دائمًا في قلة العطاء، بل في أن كثيرًا من العطاء الفردي لا يتحول إلى برنامج مستدام يعالج أسباب الفقر؛ فالفقير قد يحصل على مساعدة تكفيه أيامًا أو أشهرًا، ثم يعود إلى الحاجة. أما التعليم والتأهيل والعمل المنتج، فيمكن أن تغير حياته على المدى الطويل.

واللافت في الزكاة أن المسلم يدفعها بدافع ديني حتى إذا كان يعيش في بلد غير إسلامي، ومن غير أن تلزمه بها مؤسسة حكومية. وهذا يكشف عن قوة داخلية هائلة يمكن استثمارها بصورة أفضل إذا اقترنت بالثقة والشفافية والإدارة الكفؤة.

الصيام: تدريب جماعي على الانضباط

في شهر رمضان يصوم مئات الملايين من المسلمين في مختلف أنحاء العالم، رغم اختلاف اللغات والمناخات والأوضاع الاجتماعية.

ولا توجد إحصائية عالمية دقيقة لعدد الصائمين، ولذلك لا بد من استخدام سيناريوهات تقريبية.

فإذا افترضنا أن مليار مسلم يصومون رمضان لمدة ثلاثين يومًا، فإن الناتج يبلغ: 30 مليار يوم صيام بشري خلال شهر واحد.

وهذا الرقم يكشف عن قدرة هائلة على الالتزام، وضبط النفس، والامتناع عن الطعام والشراب والشهوات لساعات طويلة.

غير أن الغاية من الصيام لا تقتصر على الجوع والعطش، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ فالصيام تدريب على التقوى والصبر وضبط الرغبات.

ولو انتقلت هذه الصفات من رمضان إلى بقية العام، لظهر أثرها في العمل، واحترام المواعيد، وتقليل الإسراف، وضبط الاستهلاك، وتحمل المسؤولية.

ومن المهم أيضًا عدم الادعاء بأن الصيام وحده يجعل المسلمين أكثر الشعوب صحة؛ لأن الصحة تتأثر بنوعية الغذاء والحركة والنوم والظروف الصحية والاقتصادية. بل إن الإفراط في الطعام والهدر خلال رمضان قد يناقض جانبًا من مقاصده التربوية.

إن القوة الحقيقية للصيام لا تكمن في الامتناع المؤقت عن الطعام وحده، بل في قدرة الإنسان على إعادة تنظيم عاداته وسلوكه.

الحج والعمرة: صورة حية لوحدة المسلمين

يجتمع في الحج سنويًا أكثر من مليون ونصف المليون مسلم من دول وثقافات متعددة، بينما يؤدي حوالي عشرون مليونا  آخرون مناسك العمرة على مدار العام.

ويردد الجميع: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.

يرتدي الحجاج لباسًا متشابهًا، ويقفون في الأماكن نفسها، ويؤدون المناسك نفسها، فتتراجع الفوارق بين الغني والفقير، وبين أصحاب الجنسيات والألوان والمناصب المختلفة.

ويمثل الحج نموذجًا عمليًا للمساواة والانضباط ووحدة الاتجاه، لكنه يطرح أيضًا أسئلة مهمة:

كيف يمكن للحاج أن يحمل روح هذه المساواة معه بعد عودته إلى وطنه؟

وكيف يمكن أن يتحول التعارف بين المسلمين إلى تعاون علمي واقتصادي وإنساني، مع المحافظة على قدسية الحج وغاياته التعبدية؟

فالحج ليس مؤتمرًا سياسيًا أو تجاريًا، لكنه مدرسة كبرى في النظام والصبر والتعاون والعيش المشترك.

كما أنه أحد التجمعات البشرية القليلة التي يأتي إليها الناس من مختلف بقاع الأرض، وينطقون بكلمات واحدة، ويتوجهون إلى مقصد واحد، ويؤدون أعمالًا واحدة.

العبادات مشروع متكامل لبناء الإنسان

عند التأمل في هذه العبادات مجتمعة، نجد أنها تبني جوانب متعددة من شخصية المسلم وحياته؛ فالتوحيد يحدد الغاية والمرجعية.

والصلاة تنظم الوقت وتجدد الصلة بالله وتوجه السلوك.

والزكاة تربط الإيمان بالمال والمسؤولية الاجتماعية.

والصيام يدرب النفس على الانضباط والصبر.

والحج يجسد المساواة ووحدة الأمة والاجتماع الإنساني.

وهكذا لا تبدو العبادات أعمالًا منفصلة، بل منظومة مترابطة لبناء الإنسان.

يبدأ المسلم بتوحيد الله، ثم ينظم يومه بالصلاة، ويطهر ماله بالزكاة، ويدرب نفسه بالصيام، ثم يتجه إلى بيت الله في الحج متجردًا من كثير من الفوارق الدنيوية.

غير أن المشكلة تبدأ عندما تنفصل العبادة عن أثرها.

فقد يصلي الإنسان ولا يلتزم بالأمانة، ويصوم ولا يضبط لسانه، ويدفع الزكاة دون أن يهتم بمعالجة أسباب الفقر، ويحج ثم يعود إلى التعصب والظلم.

وعندها تتحول العبادة إلى عادة متكررة، بدلًا من أن تكون قوة للتغيير.

ولا يمكن بناء حضارة بالعدد وحده، بل بالإنسان المتعلم، والمؤسسة العادلة، والقانون الفعال، والاقتصاد المنتج، والبحث العلمي، والإدارة الكفؤة.

لماذا لم تتحول هذه الطاقة إلى قوة حضارية؟

بدأ هذا المقال بسؤال عن عدد مرات قراءة سورة الفاتحة، لكنه انتهى إلى سؤال أكبر عن أثر ما نقرأه ونؤديه.

لسنا في حاجة إلى إثبات أن المسلمين كثيرون، فعددهم يتجاوز ملياري إنسان.

ولسنا في حاجة إلى إثبات أنهم يصلون ويصومون ويتصدقون ويحجون، فهذه الممارسات ظاهرة في جميع أنحاء العالم.

لكن السؤال الحقيقي هو: ما أثر كل ذلك في حياتنا؟

مليارات الصلوات ينبغي أن تنتج قدرًا أكبر من الأمانة والاستقامة.

ومليارات أيام الصيام ينبغي أن تصنع مجتمعًا أكثر انضباطًا ورحمة.

وأموال الزكاة ينبغي أن تقلل الفقر والحاجة.

وملايين الحجاج والمعتمرين ينبغي أن يعودوا بروح أعمق من الوحدة والمساواة.

وتريليونات المرات التي نقول فيها: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ

ينبغي أن تدفعنا إلى البحث عن الصراط المستقيم في التعليم والاقتصاد والإدارة والسياسة والعمل والعلاقات الاجتماعية، لا في العبادة الفردية وحدها.

إن السؤال ليس فقط: كم مرة نقرأ سورة الفاتحة

بل: كم مرة غيّرت الفاتحة شيئًا في حياتنا

إن قوة المسلمين الحقيقية لن تأتي من زيادة أعدادهم وحدها، وإنما من قدرتهم على تحويل الإيمان إلى أخلاق، والعبادة إلى عمل، والعلم إلى إنتاج، والثروة إلى تنمية، والوحدة الدينية إلى تعاون حضاري يخدم الإنسان أينما كان.

ربنا.. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z