كارلا حداد مارديني
مديرة جمع التبرعات والشراكات مع القطاع الخاص في اليونيسف
ينشأ الأطفال اليوم في عالم تتزايد فيه التحديات على نحو غير مسبوق، وتتزايد معها العوامل التي تؤثر في حياة ملايين الأطفال والأسر مثل النزاعات والنزوح والصدمات المناخية والضغوط الاقتصادية وتراجع الخدمات الأساسية. ولمُواجهة هذه التحديات، أطلقت اليونيسف في عام 2026 نداءً إنسانيًا لتوفير 7.66 مليار دولار أمريكي لدعم عملها الإنساني من أجل الأطفال، والوصول إلى 73 مليون طفل يعيشون في أزمات في 133 بلدًا وإقليمًا.
هذه الأرقام هي الظلال التي ألقت بها التحديات العالمية على الأطفال ممن تغيرت حياتهم رغمًا عنهم، ما بين طفل اضطر إلى مُغادرة منزله، وطفل لا يجد مياه شرب نظيفة، وطفل أُغلقت مدرسته، وطفل يواجه الجوع أو الفقد. ورغم أنَّ هذه التحديات ذات أبعاد عالمية، لكن مسؤولية الاستجابة لها مُسؤولية مشتركة.
وقد أثبتت التجارب، على مدى عقود، أن التقدم من أجل الأطفال يتحقق عندما تتكاتف الجهود وتتوحد أهداف الحكومات والمؤسسات والمجتمعات. فقد أثمرت مثل هذه الجهود في حصول عدد أكبر من الأطفال على فرصة للحياة والتعليم والحماية، وذلك لأنَّ الحكومات والمجتمعات والقطاع الخاص والأفراد اختاروا العمل معًا. ولا يمكن لأي منظمة أو حكومة أو جهة مانحة، بمفردها، أن تواجه حجم التحديات القائمة اليوم. لذلك، لم تعد الشراكات خيارًا إضافيًا، بل أصبحت سبيلًا أساسيًا لإحداث تغيير مستدام.
وتتغير الشراكات اليوم في معناها ودورها، فلم تعد الكثير من الشركات والمؤسسات الخيرية تنظر إلى العطاء باعتباره مُساهمة مالية فقط، بل أصبحت تسعى إلى مشاركة أعمق وأكثر وعيًا؛ مشاركة تبدأ من فهم التحديات، وتمتد إلى إيجاد حلول تُحدث أثرًا حقيقيًا يُمكن رؤيته وقياسه. فهناك من يقدّم الموارد، وهناك من يضيف الابتكار أو الخبرة أو التأثير أو شبكات العلاقات، وهناك من يملك القدرة على جمع الآخرين حول هدف مشترك. وكل دور من هذه الأدوار يمكن أن يصنع فرقًا عندما يكون موجّهًا لخدمة الأطفال.
وتزداد أهمية هذا المعنى عندما نتحدث عن الأطفال. فالاستثمار في الأطفال ليس استثمارًا في مستقبلهم وحدهم، بل في مُستقبل الأسر والمجتمعات والأوطان. فصحة الطفل، وتغذيته، وتعليمه، وحمايته، ونماؤه في سنواته الأولى، كلها عناصر تشكّل فرصته في الحياة، وعندما تتاح للأطفال فرصة البقاء والتعافي والتعلم والنمو، لا يتغير حاضرهم فقط، بل تمتد آثار ذلك عبر الأجيال.
وفي سلطنة عُمان، لا يبدو هذا الفهم غريبًا؛ فهو قريب من قيم يعرفها المجتمع العُماني جيدًا، من الكرم والمسؤولية إلى التكافل ورعاية الآخرين. فمنذ ما يقارب 55 عامًا، تعمل اليونيسف وسلطنة عُمان معًا لدعم حقوق الأطفال، في شراكة رافقت مسيرة التقدم التي حققتها عُمان في مجالات الصحة والتعليم والحماية والشمول الاجتماعي ورفاه الطفل. وخلف هذه الشراكة، هناك إيمان مشترك بأنَّ كل طفل يستحق أن يحظى بفرصة آمنة وكريمة؛ أن ينمو مُعافى، وأن يتعلم، وأن يجد من يقف إلى جانبه حين يحتاج إلى الدعم. ولهذا، لا تُمثل هذه المسيرة مجرد تعاون مؤسسي امتد عبر عقود، بل تعكس قيمًا أصيلة في عُمان، حيث يصبح الاهتمام بالآخرين مسؤولية مشتركة، ويصبح العمل من أجل الأطفال امتدادًا طبيعيًا لمعنى الرحمة والتكافل. وتصف يونيسف عُمان هذه المسيرة بأنها 55 عامًا من الأثر والعمل المشترك من أجل كل طفل.
وتأتي حملة "وعد" التابعة لليونيسف في عُمان امتدادًا لهذه القيم. ففي عُمان، لا يُقال الوعد بسهولة؛ فهو كلمة لها وزنها، ومعنى يرتبط بالثقة والمسؤولية والوفاء. ومن هنا، تحمل الحملة اسمًا قريبًا من وجدان الناس، وتدعوهم إلى تحويل هذا المعنى العميق إلى أثر حقيقي في حياة الأطفال الأكثر احتياجًا.
فالوعد مع اليونيسف ليس مجرد رمز، بل فعل يمكن أن يصل إلى طفل في وقت هو في أمسّ الحاجة فيه إلى المساعدة. يمكن أن يعني مياهً آمنة، أو غذاءً علاجيًا منقذًا للحياة، أو مأوى ودفئًا، أو مستلزمات تعليم ونظافة، أو خدمات حماية ومساعدات نقدية تُساعد الأطفال والأسر في أوقات الأزمات. وما قد يبدو وعدًا بسيطًا، يصبح نفيسًا حين يصل إلى طفل يواجه الجوع أو النزوح أو الفقد. عندها يتحول الوعد إلى طوق نجاة، ومصدر أمل، ورسالة صامتة تقول لهذا الطفل إنه ليس وحده، وإنه لم يُنسَ.
لمن يقطعون وعدًا، يصبح سوار "وعد" تذكيرًا هادئًا بأنَّ التعاطف يمكن أن يتحول إلى فعل، وأن كلمة صادقة قد تترك أثرًا حقيقيًا في حياة طفل. ومن خلال حملة "وعد" التابعة لليونيسف في عُمان، يصبح هذا الالتزام جزءًا من حركة إنسانية أوسع؛ حركة تحوّل الصدق إلى دعم، والدعم إلى أمل للأطفال الأكثر احتياجًا. فعندما نفي بوعدنا للأطفال، فإننا لا نقف إلى جانبهم في حاضرهم فحسب، بل نساعدهم على حماية إمكاناتهم، ومنحهم فرصة أفضل للبقاء والتعافي والنمو. أدعوكم اليوم إلى تقديم أول وعودكم من خلال زيارة صفحة الحملة: https://help.unicef.org/ar/oman/promiseوكونوا جزءًا من وعدٍ يحمل الأمل، ويمدّ يد العون حين تكون الحاجة إليه أكبر. قد يبدو الوعد بسيطًا، لكنه حين يصل إلى طفل يعيش في أزمة، يصبح خطوة نحو غدٍ أفضل.
