حمود بن سعيد البطاشي
من يعمل قريبًا من قطاع المقاولات والإنشاءات يعرف أنَّ مشكلة نقص العاملين لا تبقى داخل حدود المؤسسة، قد تبدأ بصعوبة الحصول على عامل ماهر، لكنها تنتهي في كثيرٍ من الأحيان بارتفاع تكلفة مشروع أو بناء منزل أو أعمال صيانة، ليجد المواطن نفسه في آخر السلسلة أمام فاتورة أعلى.
أكتب هذا من واقع ما نلمسه في سوق العمل ومواقع الإنشاء، لا باعتباره حكمًا عامًا على جميع القطاعات، ولا اعتراضًا على تنظيم سوق العمل أو على التعمين؛ فتمكين المواطن العُماني وإعطاؤه الأولوية في فرص العمل هدف وطني لا خلاف عليه. لكن تنظيم السوق- في تقديري- يحتاج إلى مراجعة مستمرة توازن بين هذا الهدف وبين الاحتياجات الفعلية للقطاعات الاقتصادية.
وفي الأنشطة الإنشائية تحديدًا، تبدو المسألة أكثر وضوحًا؛ فمن واقع الإجراءات التي تواجهها المؤسسات في الوقت الراهن، فإنَّ استقدام عمالة جديدة من الجنسيتين البنجلاديشية والباكستانية لهذه الأنشطة ليس مُتاحًا، بينما يبقى أمام المؤسسات خيار البحث عن عمالة موجودة أصلًا داخل سلطنة عُمان ونقل خدماتها وفق الإجراءات والضوابط المعمول بها.
وهنا تبدأ المعضلة؛ إذ عندما يكون الاستقدام الخارجي محدودًا، وتعتمد المؤسسات على العمالة الموجودة داخل السوق، تضيق دائرة الخيارات، خصوصًا في المهن الإنشائية التي تحتاج إلى خبرة ومهارة. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يصبح العامل المتاح أكثر قدرة على المفاضلة بين عروض أصحاب الأعمال واختيار الأجر والفرصة الأفضل.
وهذا حق مشروع للعامل متى كان انتقاله وفق القانون والإجراءات المنظمة، ولا ينبغي أن يكون النقاش على حساب حقوقه.
لكنَّ هناك طرفًا آخر في المعادلة يستحق النظر أيضًا، إنها المؤسسة الصغيرة أو المتوسطة التي لديها عقود ومشاريع والتزامات ومواعيد تسليم، وتحتاج إلى عدد مُحدد من العمال لإنجاز أعمالها.
وهنا تبدو عبارة «انقل عاملًا من داخل السلطنة» سهلة نظريًا، لكنها ليست دائمًا كذلك في الواقع. فالمؤسسة تحتاج إلى عامل مناسب للمهنة، لديه الخبرة المطلوبة، متاح للنقل، ويقبل بشروط العمل، وقد تجد نفسها في الوقت نفسه تنافس مؤسسات أخرى على العدد المحدود من العمالة المتاحة.
وبذلك تتحول المسألة من إجراء إداري إلى مُعادلة اقتصادية يحكمها العرض والطلب.
وحين يَقِل المعروض بينما يستمر الطلب، فمن المتوقع أن ترتفع تكلفة الحصول على العمالة. والمؤسسة الصغيرة لا تملك دائمًا القدرة المالية التي تملكها الشركات الكبرى لمجاراة الارتفاع في الأجور أو تحمل تأخر المشاريع.
وهنا لا يقف الأثر عند صاحب المؤسسة؛ فارتفاع تكلفة اليد العاملة قد يرفع تكلفة تنفيذ المشروع، وهذه التكلفة ستجد طريقها، بصورة أو بأخرى، إلى أسعار البناء والصيانة والتشطيبات والخدمات المرتبطة بها.
وفي نهاية الطريق، يدفع المواطن جزءًا من هذه الزيادة.
ولهذا أضع أمام وزارة العمل سؤالًا أراه جديرًا بالدراسة: بعد هذه الفترة من تطبيق القيود، هل حان الوقت لتقييم أثرها على الأنشطة الإنشائية، ودراسة إمكانية إعادة فتح استقدام العمالة البنجلاديشية والباكستانية للمهن التي تثبت حاجة السوق إليها؟
هذه ليست دعوة إلى فتح الاستقدام بلا حساب، ولا إلى إغراق السوق بالعمالة الوافدة، وبالتأكيد ليست دعوة إلى تقديم العامل الوافد على المواطن العُماني. المطلوب، في تقديري، هو فتح مدروس بقدر الحاجة.
ويمكن ربط الموافقة على الاستقدام بحجم النشاط الفعلي للمؤسسة، وعقودها القائمة، وحاجتها المهنية، ونسبة التعمين لديها، ومدى التزامها بقانون العمل والأنظمة والاشتراطات المعمول بها. وبذلك تحصل المؤسسة الجادة التي لديها مشاريع حقيقية على حاجتها، مع استمرار الرقابة الصارمة على أي استغلال أو ممارسات مخالفة.
كما أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تستحق أن يُستمع إلى تجربتها بصورة أوسع؛ فهي الأقرب إلى تفاصيل السوق اليومية، والأكثر تأثرًا بتغير تكاليف التشغيل.
والأرقام في النهاية هي الحكم.
علينا أن ندرس توافر العمالة في المهن الإنشائية، ومتوسط تكلفتها، وحركة الأجور، وأثر ذلك على أسعار تنفيذ المشاريع. فإذا أثبتت البيانات أن السوق متوازن، فهذا أمر إيجابي. أما إذا كشفت عن نقص في بعض المهن وارتفاع في تكلفتها وانعكاس ذلك على المؤسسات والمواطن، فإن المراجعة تصبح أمرًا يستحق النظر، ومراجعة القرار لا تعني التراجع عن هدفه؛ بل قد تكون دليلًا على نجاح الإدارة في قراءة المتغيرات والاستجابة لها.
إن التعمين والاستقدام ليسا بالضرورة طريقين متعارضين؛ حيث نستطيع أن نجعل المواطن العُماني في مقدمة الأولويات، ونستثمر في تدريبه وتأهيله، وفي الوقت نفسه نوفر للقطاعات التي تحتاج إلى عمالة وافدة احتياجاتها ضمن ضوابط واضحة. والذي نحتاج إليه هو سوقٌ يحفظ حق العامل، ويحمي المؤسسة الجادة، ويصون أولوية المواطن، ولا يحمل المستهلك تكلفة اختلال يمكن معالجته.
لقد أصبحت بعض المؤسسات اليوم تبحث عن العامل أكثر مما يبحث العامل عن العمل، وهذه وحدها إشارة تستحق أن نتوقف عندها؛ فالقضية لم تعد مجرد تأشيرة عامل؛ إنها كلفة مشروع، واستمرار مؤسسة، وفاتورة يدفع جزءًا منها المواطن.
ومن هنا تأتي الدعوة إلى وزارة العمل: ادرسوا الواقع كما هو، واستمعوا إلى السوق، وافتحوا بقدر الحاجة، وشددوا بقدر الضرورة؛ فالاقتصاد لا يحتاج بابًا مفتوحًا بلا ضوابط، ولا بابًا مغلقًا أمام الحاجة؛ بل يحتاج ميزانًا دقيقًا، تبقى المصلحة الوطنية في كفتيه.
