المستشفى السلطاني كما لم أره من قبل

 

سمية بنت مبارك النبهانية

alnabhanisumaya@gmail.com

هناك أماكن لا ندخلها بإرادتنا، وأيام لا نختار أحداثها، لكنها تعيد ترتيب أشياء كثيرة في داخلنا، وتعلّمنا أنَّ بعض النِعَم لا نعرف قيمتها إلّا حين نضع أغلى ما نملك بين أيدي الآخرين.

هكذا كان المستشفى السلطاني بالنسبة لي؛ حيث اختبر الله صبري- أنا وعائلتي- وقوتنا بعارضٍ صحيٍّ مُفاجئ ألمَّ بطفلتنا الغالية «ناعمة»، دخلتْ على إثره العناية المركزة للأطفال، ثم انتقلت إلى جناح الأطفال، حتى امتد مكوثها في المستشفى قرابة الشهر.

شهرٌ كاملٌ تغيَّرت فيه تفاصيل حياتنا، وأصبحت السعادة تُقاس بنتيجة تحليل، وكمية سوائل، وخبر ننتظره، والكثير من القراءات الجانبية عن ماذا تعني هذه التحاليل والأرقام.. فالحمد لله من قبل ومن بعد.

طرق المرض أبواب بيتنا الهادئ بغتةً، وكانت حالة ناعمة غير مستقرة، فلم يكن أمامنا ترف اختيار مستشفى خاص أو التفكير في السفر بها للعلاج بالخارج. كان علينا أن نواجه اللحظة كما هي، وأن نستودع طفلتنا الله تعالى، ثم نضعها بين أيدي المختصين في المستشفى السلطاني.

ولعلَّ أصعب ما في الأمر أننا دخلنا المستشفى ونحن لا نحمل معنا حقيبة ناعمة وحسب، وإنما نحمل أيضًا صورة ذهنية عن المستشفيات الحكومية تشكَّلت من تجارب سابقة في طِب الكبار، ومن تلك الصور النمطية التي قد تجعلنا أحيانًا نتوقع ما هو عكس الحقيقة.

لكن الحقيقة كانت جبرًا لخاطرنا. في العناية المركزة للأطفال، اكتشفنا أنَّ الرعاية الطبية يمكن أن يكون لها قلب بحق. رأينا أطباء يتابعون المرضى على مدار الساعة، وممرضين يعملون بمهارة وصبر وقلب رؤوف. لكن أكثر ما بقي في قلبي لم يكن جهازًا طبيًا ولا إجراءً علاجيًا، وإنما الطريقة التي كانوا ينظرون بها إلى طفلتي. لم تكن بالنسبة إليهم مجرد حالة مرضية. كانت طفلة. لها خوفها وأسئلتها وقلقها، ولها الحق في أن تفهم ما يحدث لجسدها. قالت لهم بكل حزم: «لا تقوموا بأي شيء دون موافقة مني». فكان لها ذلك.

كانوا يشرحون لها كل شيء ببساطة؛ لماذا ستوضع هذه الإبرة؟ ولماذا هنا تحديدًا؟ ما الفرق بين التخدير الموضعي والكلي؟ ماذا سيحدث أثناء الإجراء؟

وكانوا يجيبون عن أسئلتها دون مللٍ، حتى تلك الأسئلة الصغيرة التي قد لا تعني شيئًا للطبيب، لكنها تعني الكثير لطفلة تخاف مما لا تعرفه. وفي بعض الإجراءات غير الحرجة أو الحساسة، كانوا يراعون شعورها، ويؤجلونها إنْ لم تكن مستعدة أو مرتاحة، متى كان ذلك ممكنًا طبيًا.

كان الأطباء والممرضون يأتون إليها أحيانًا للحديث معها، ومع الأيام تحوّل ذلك المكان الذي دَخَلَتْهُ وهي خائفة إلى مكان تعرف فيه الوجوه وتنتظر أصحابها. نشأت بينهم وبينها صداقة صغيرة، لكنها كانت بالنسبة لنا كبيرة جدًا؛ فالمريض حين يثق بالطبيب، يكون قد قطع نصف الطريق نحو الطمأنينة.

وفي قسم أمراض الكلى، كان هناك مشهد آخر ظل عالقًا في ذاكرتي. كنت أرى الاستشاريين يجلسون مع الأطباء الشباب، يناقشون الحالات ويتبادلون المعرفة والخبرة بشكل يومي. وكأنني أمام درس طبي لا ينتهي بانتهاء المحاضرة، وإنما يستمر مع كل حالة جديدة.

وحين سألتُ رئيسة القسم عن هذه النقاشات، قالت لي عبارة لن أنساها: "إن علمنا بمثابة صدقة جارية، ولا يدوم شخص على حاله، لذلك من الضروري أن نشاركهم علمنا وتجاربنا". كم هي جميلة هذه النظرة الإنسانية إلى العِلم، وكم هو جميل أن ترى هذه الروح القيادية في المواقع الحكومية؛ أن تعرف، ثم تعلّم، وتشارك خبرتك مع من سيكمل الطريق بعدك.

ولعل من أجمل ما يمكن أن نتعلمه من هذه التجربة أن النجاح الطبي لا يكتمل بالعلم والكفاءة وحدهما، وإنما يحتاج أيضًا إلى التواصل، وإلى مراعاة نفسية المريض وأهله، وإلى أن يشعر الإنسان، في أكثر لحظاته ضعفًا، بأنه ليس وحده

وقد رأيتُ ذلك أيضًا في حرص الاستشاريين على زيارة المرضى ومتابعة حالاتهم والتواصل مع الأهالي بشكل مستمر. حتى في منتصف الليل، عندما كنتُ أسأل عن جديد يتعلق بناعمة، لم أكن أسمع "سننتظر حتى الصباح" أو "نحن بانتظار رد استشاري أمراض الكلى"؛ بل كان يأتيني الرد مباشرة: "تواصلنا مع الطبيب وأوصى بكذا وكذا".

وكانت هذه الكلمات الصغيرة تمنحني شعورًا كبيرًا بأن طفلتنا لم تُنسَ حتى خارج ساعات العمل. وهذا، بالنسبة لأمٍ تجلس بجوار طفلتها المريضة في منتصف الليل، ليس أمرًا صغيرًا.

والحق يقال، خلال قرابة شهر، رأيت المستشفى السلطاني بعين مُختلفة. لم أره كما كنت أتصوره سابقًا. رأيته من سرير طفلة، ومن كرسي أُم قلقة، ومن ممرات طويلة كانت تحمل في كل غرفة قصةً، وكانت الأمهات من حولي يشاركنني بعضًا من تفاصيلها. أدركت حقًا أن المستشفى ليس جدرانًا وأجهزة وملفات، وإنما أُناس يقفون معك حين تكون في أضعف حالاتك. وكنت محظوظة أن أجد حول ناعمة كثيرًا من هؤلاء. الأطفال هم أحباب الرحمن، وكم رأيت معنى هذه العبارة حيًا أمامي.

رأيت كيف يمكن لكلمة طيبة أن تُخفِّف خوف طفلة، وكيف يمكن لابتسامة مُمرِّض أن تجعل إبرة العلاج أقل قسوة، وكيف يمكن لمُعاملة إنسانية بسيطة أن تصنع فرقًا كبيرًا في قلب أُم قلقة.

ولهذا أكتبُ اليوم.. ليس لأنَّ ناعمة قد خرجت من المستشفى فقط، وليس لأنَّ المِحنة انتهت كما نتمنى، وإنما لأنَّ بعض الناس يستحقون أن نقول لهم شكرًا.

شكرًا لإدارة المستشفى السلطاني.. شكرًا لأطباء ومُمرِّضي العناية المركزة للأطفال وجناح الأطفال، لكل من لمس حياة ناعمة خلال تلك الأيام، ولو بكلمة أو ابتسامة أو يدٍ حانية. وشكرًا من القلب لاستشاريِّي وأطباء قسم أمراض الكلى، الذين رافقونا خطوة بخطوة، وشاركوا معنا قلقنا وأسئلتنا، وساعدونا على المستوى الطبي والإنساني. لقد كُنتم خير مُعينٍ لنا في أيام لم تكن سهلة. فجزاكم الله عن ناعمة وعنَّا خير الجزاء، وجعل كل ما قدمتموه لها في ميزان حسناتكم.

 

ولأُم هاشم، وأُم محمد، وأُم طارق… كم أنتنَ أمهات رائعات ومكافحات. تقاسمنا القلق، وتبادلنا الدعوات، ووجدنا في بعضنا شيئًا من القوة في أيام لم تكن سهلة.

حفظ الله فلذات أكبادنا من كل مكروهٍ، وألبسهم ثوب الصحة والعافية. والحمد لله… دائمًا وأبدًا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z