محمد عمار عيسى **
منذ كُنا صغارًا وكانت "سايكس بيكو" مترسخة في عقولنا ونحن لا بال لنا، فقد كبرنا ونحن نُقدّس تلك الحدود الوهمية ونُلونها بشغف في دفاتر الجغرافيا واليوم، من حقنا أن نتكلم ونحن نرى الكثير من شعوبنا لا تزال غارقة في ذلك الوهم؛ بل وتتغنى بالحدود، وتدعي أن ما يُهمها هو أمر بلدها فقط، نعم إنها حقيقة وليست من وحي خيالي!
فعلى سبيل المثال، نجد فئاتٍ انطوت على ذاتها، فحين تنقل شاشات التلفاز مناظر الموت والدمار، وبكاء الأطفال، وعويل الأمهات، وأنين الرضع والشيوخ الرُّكع في أجزاء غالية من وطننا الكبير، يخرج من بيننا من يقول ببرود شديد: 'لا دخل لنا بهم، علينا بأنفسنا'!
في الوقت ذاته الذي تُسطّر فيه المقاومة الفلسطينية الباسلة أروع الدروس في التضحية والفداء حيث يلتحم مقاتلوها الأبطال ببسالة منقطعة النظير بالدبابات والآليات العسكرية الإسرائيلية من مسافة الصفر بما يرقى إلى معجزة عسكرية معاصرة. يرى مُعظهم ذلك ببرود شديد بقوله "ما يهمني"!
وهي نفسها مدينة الإمام الشافعي الذي ملأ فقهه وعلمه المستفيض أركان بلدانهم؛ وكل هذا بسبب ماذا؟ بسبب قلم ومسطرة! نعم، لشديد الأسف عن "سايكس بيكو" أتحدث؛ حيث نجحوا من خلالها في زرع الخلافات العقيمة بين الأخ وأخيه، وتحويل الحدود الجغرافية المصطنعة إلى جدران نفسية تفصل بين أبناء الأمة الواحدة، متناسين الثابت الرباني المقدس الذي يجمعهم في كتاب الله: {وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 92).
ولم يتوقف الأمر عند حدود القلم والمسطرة القديمة؛ بل إننا نقف اليوم وجهًا لوجه أمام "سايكس بيكو" جديد، لا يستهدف رسم خرائط جغرافية خارجية فحسب، بل يهدف إلى إرساء تقسيمات طائفية ومذهبية وعرقية تفتت المجتمعات من الداخل وتحوّل الدول إلى كانتونات متناحرة. وقد تُوّج هذا التفتيت الاستعماري المتواصل بزرع "كيان غريب اسمه إسرائيل" في قلب جسدنا العربي لضمان بقائه ممزقًا ومستنزفًا، وصولًا إلى ما شهدناه في العقود الأخيرة من مخطط "الربيع العربي" الفتنوي، والذي لم يكن إلا حلقة جديدة ومدروسة لإعادة تفكيك المُفتَّت، وتجزئة المجزأ، وإشعال الصراعات الداخلية لإلهاء الشعوب عن قضاياها المصيرية وحصرها في أتون الهويات الضيقة.
والمفارقة الصارخة هنا، هي أن شعوبنا تتشبث بحدود المستعمر الوهمية، في حين يتحرك الكيان الغاصب مدفوعًا بأساطير توراتية محرفة ونظرة صهيونية استعلائية تنظر إلى شعوب المنطقة كافة كـ"أغيار" لا حقوق لهم. فهم لا يعترفون بجغرافيا هذه الدول الحديثة أصلًا، بل يستندون صراحةً إلى نص العهد القديم /سفر التكوين: "لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ" ونصوص أخرى؛ مما يجعل الانكفاء خلف الحدود الوطنية وهمًا ساذجًا يسقط أمام شهية مشروع استعماري يستهدف الجميع بلا استثناء. وهنا نستحضر بأسى مقولة الإمام علي بن أبي طالب- كرَّم الله وجهه- التي تُشخّص داءنا بدقة حين قال: "عجبت من تفريق هؤلاء في حقهم، واجتماع هؤلاء على باطلهم"؛ فبينما عدونا متحد بقوة على باطله وأطماعه، نقف نحن متفرقين مشتتين في حقنا وجغرافيتنا! لقد نجح المستعمر في مسعاه لأن حدود "سايكس بيكو" لم تكن مجرد خطوط رُسمت على الورق وغادر صانعوها، بل الحقيقة المرة أنها كانت خريطة مُرسخة في عقولنا ونحن غافلون، جرى غرسها وتغذيتها بالنعرات الضيقة حتى باتت جدرانًا ذهنية وعقائدية تحكم وعينا وتحركاتنا.
والأمر الصادم وغير المألوف البتة في هذا الصراع المحموم، هوما يثبته علم الأنثروبولوجيا والجينات الحديث اليوم؛ إذ تؤكد فحوصات البصمة الوراثية وسلالات الـ (DNA) أن الدماء التي تجري في عروق أبناء هذه الحواضر المتناحرة تنتمي إلى الأصول والأسلاف الجينية المشتركة ذاتها عبر آلاف السنين. هذا يعني بيولوجيًا وعلميًا أن من يتشاجرون على الحدود المصطنعة اليوم أو ينساقون وراء التقسيمات الطائفية المعاصرة لا يتنابزون مع "أغراب"، بل يقاتلون حرفيًا امتدادهم الجيني والقرابي الخاص، مما يجعل من خطوط الاستعمار القديم والجديد جريمة فصل صلة رحم بيولوجية شطرت العائلة الواحدة بنصل السياسة وخرافة الحدود والهويات الفرعية. وهنا يتجلى الإعجاز والصدق النبوي في أبهى صوره؛ فحينما يثبت علم الجينات اليوم أننا خارطة بيولوجية متصلة، ندرك عمق قوله -صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْو تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى"، ليتطابق منطق الوحي المعصوم مع حقيقة البيولوجيا المعاصرة ويفكك النظرة الصهيونية العنصرية.
إن هذا الواقع الأليم يعيد الأمة إلى مربع التقهقر والجاهلية الأولى قبل الإسلام؛ حيث كان العرب عبارة عن قبائل ممزقة، تتقاتل لعقود طويلة وتثأر لأتفه الأسباب -كالمرعى والحدود القبلية الوهمية- في حروب عبثية كـ "داحس والغبراء" و"البسوس". لقد كان المرء فيها يتعصب لقبيلته بالحق وبالباطل، حتى أشرق نور الإسلام ليهدم هذه العصبية المقيتة ويهرع بالبشرية إلى فضاء الرحمة والجسد الواحد.
ولسنا بحاجة للذهاب بعيدًا في التاريخ لنثبت زيف هذه الحدود؛ فقد تلاشت تمامًا وتبخرت جدران النفس قبل جغرافيا الأرض حينما اتحدنا في حرب أكتوبر المجيدة عام 1973؛ يومها اختلط الدم السوري بالدم المصري بمدد من الجيوش العربية في خندق واحد. وفي غمرة هذه الملحمة، تجسد الموقف القومي الشامخ حينما اتخذ الملك الشجاع فيصل بن عبد العزيز قرارًا تاريخيًا بقطع النفط عن الغرب نصرةً للمعركة.
ولا يفوتنا هنا الالتفات والثناء المستحق للموقف الأصيل لسلطنة عُمان في قلب المعركة؛ يوم أن هبّت عُمان بقرار تاريخي للتبرع بربع رواتب منتسبي قواتها المسلحة وأجهزتها الحكومية دعمًا للمجهود الحربي في مصر وسوريا، وسيّرت بعثتها الطبية العسكرية المتكاملة لتضميد جراح المقاتلين على الجبهة، لتثبت المواقف الميدانية والدم الواحد أن الحدود تسقط وتذوب أمام وحدة المصير المشترك ونور الحق متى ما وُجدت الإرادة الحرة.
لكن هذا الواقع الحالي الأليم يُعيد الأمة إلى مربع التقهقر والجاهلية الأولى قبل الإسلام؛ حيث كان العرب عبارة عن قبائل ممزقة، تتقاتل لعقود طويلة وتثأر لأتفه الأسباب -كالمرعى والحدود القبلية الوهمية- في حروب عبثية كـ"داحس والغبراء" و"البسوس". لقد كان المرء فيها يتعصب لقبيلته بالحق وبالباطل، حتى أشرق نور الإسلام ليهدم هذه العصبية المقيتة ويهرع بالبشرية إلى فضاء الرحمة والجسد الواحد.
ففي ذلك الفضاء المفتوح والرحب؛ كان الحجاج يتدفقون من أقاصي المغرب العربي نحو مكة المكرمة مشيًا على الأقدام، وعلى ظهور البغال والحمير والجمال، يقطعون الفيافي والقفار لشهور طويلة دون أن تستوقفهم نقطة حدودية، أو تمنعهم تأشيرة استعمارية تكبل خطاهم، ميممين وجوههم شطر البيت العتيق ، أو شادّين الرحال لزيارة المسجد الأقصى المبارك. وفي هذا الفضاء الممتد تجسدت حالة الإمام الشافعي بأبهى صورها؛ فرجل الأمة الفذ ومجددها ولد في غزة الجريحة، وترعرع يتيمًا في أزقة مكة، وتعلّم على يد إمام دار الهجرة في المدينة النبوية المنورة، ثم ارتحل يطلب العلم وينشره في بغداد حاضرة الخلافة، قبل أن يستقر به المطاف ليموت ويدفن في أرض مصر. لم يكن الشافعي في تنقلاته غريبًا ولا عابر سبيل، بل كان صاحب الدار في كل بلد يحل فيه؛ صهر بجغرافيته الشخصية وعلمه الحواضر العربية من دمشق والقدس إلى القاهرة وبغداد في لوحة متكاملة الأركان. تنقّل الشافعي بمداد علمه وانتمائهم دون جواز سفر أو شرطة حدود، ممزقًا بمسيرتهم الفقهية والإنسانية حدود "سايكس بيكو" ومخططات الاستعمار قبل أن تخطها أيدي الطغاة بأحد عشر قرنًا، متمسكًا بالهوية الجامعة التي أرادها الله للأمة منذ أن أشرقت الأرض بمولد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- ليخرج البشرية من ظلمات العصبية والجاهلية والفرقة، إلى نور الوحدة والجسد الواحد.
فيا لشر البلية الذي يضحك ويبكي معًا! أمة يجمعها وحي السماء، وتوحدها بصمة الجينات الـ (DNA)، وسطر نصرها سلاح النفط ومواقف الإخاء العُمانية في خندق أكتوبر، وتجدد كرامتها ملاحم التضحية المعاصرة على أرض غزة اليوم، وتطوي حواضرها خطى الشافعي في فضاء علمه الرحب؛ ثم نجدها اليوم تتقاتل بالأيدي من أجل أمتار سيادية رسمها موظف بريطاني أصلع كان يشعر بالملل، فقرر بقلم رصاص رخيص ومسطرة خشبية بليدة أن يفعل بهذه الأمة العظيمة وأجيالها كل هذه الأفاعيل الكوميدية السوداء!
** كاتب سوري
