مدرين المكتومية
يدخل خالد كل صباح لمكتبه بكل التزام وتفان، يحرص على إنجاز كل ما يجده على طاولته من اعمال بكل دقة وحرص، يُنهي كل شيء في وقت قياسي، ثم يُغادر في الموعد المحدد له، خالد لم يكن مقصرًا أبدًا في عمله، غير أنه لم يكن مُبادرًا؛ فبالنسبة له المكان هو حيِّز معين يزوره كل يوم ليُنجز عملًا يتقاضى عليه راتبًا مُعينًا ومن ثم يرحل!
لكنه فوجئ في أحد الأيام بوجود علبة شوكولا صغيرة وبجانبها بطاقة كتب عليها "نحن نرى جهدك.. فشكرًا لك". هذه الهدية ذات القيمة المعنوية الكبيرة، تختلف تمامًا عن قيمتها المادية؛ إذ لم تكن مجرد علبة شوكولا؛ حيث تركت في نفسه أثرًا معنويًا واضحًا، فابتسامة خالد قد سبقته، وشارك الشوكولا في ذلك اليوم مع زملائه، وبدا أكثر حماسًا وتفاعلًا عمَّا كان عليه في السابق.
قد تكون قصة خالد وغيره مجرد قصة عابرة، ولكنها تطرح سؤالًا مُهمًا وهو: هل الموظف دائماً بحاجة لمكافأة كبيرة ليشعر أنه مقدر في عمله؟!
في الحقيقة أن بيئة الأعمال الحديثة تغيَّرت عمَّا كانت عليه في السابق؛ فهي تنظر لرفاهية الموظف باعتبارها ركيزة أساسية في نجاح المؤسسة، لا مجرد رفاهية أو امتيازا إضافيا للعاملين، لأن إدارة هذه المؤسسات تدرك تماما أن الإنسان الذي يشعر بالتقدير والاهتمام دائمًا ما يكون مُستعِدًا لتقديم المزيد وبذل الجهد الكامل في سبيل نجاح المؤسسة وتقدمها، ودائمًا لديه شعور واستعداد للعطاء ولديه قدرة كبيرة على المبادرة والتركيز وتحمل المسؤوليات مهما كان حجمها.
ولا تعني رفاهية الموظف بالتحديد توفير ميزانيات ضخمة وإعطاء امتيازات كبيرة واستثنائية، بل قد تكون بتفاصيل صغيرة وبسيطة تبدأ من زاوية يشغلها ركن قهوة صغير، أو مساحة مخصصه للاستراحة وتبادل الحوار، وربما مكان مخصص لممارسة الرياضة، ويمكن أن تكون على شكل مبادرة مالية شهرية صغيرة تقديرا للموظف على حسن سلوكه، أو تصرف في موقف معين، أو عمل وجهد إضافي استغرقه لإنجاز مهمة صعبة، وغيرها من الطرق البسيطة، حتى كلمة شكرا في الوقت المناسب لها طعمها الخاص، فتكلفة هذه الأشياء ليست في قيمتها بقدر ما تحمله من مفهوم يجعل الموظف يدرك أنه "مهم" وجهده "مقدر".
وعندما يصل الموظف لشعور بأن المؤسسة التي يعمل فيها تهتم به كإنسان وليس كرقم ومسمى وظيفي، سينعكس هذا الشعور على علاقته بالمكان والأشخاص من حوله، فكل ذلك يساهم بشكل كبير في رفع مستوى الرضا والانتماء والاهتمام بكل تفاصيل المكان الذي ينتمي إليه، وتزداد رغبته في العمل أكثر والإنجاز المتواصل، فالرضا النفسي ليس منفصلا عن الأداء بقدر ما يكون أحد أهم المحركات الأساسية لذلك، وفي المقابل لا ينبغي أن تتحول رفاهية الموظف لمجرد ظاهرة شكلية، بحيث إنه لا يمكن لركن قهوة أن يعوض غياب الإنصاف والعدالة، ولا يمكن لمساحة نشاط رياضي أو بدني أن تساهم في علاج غموض المسار الوظيفي أو ضعف التواصل، فالرفاهية الحقيقية التي أتحدث عنها دائماً ما تبدأ من ثقافة مؤسسية تمتلك كل مقومات احترام الموظف، والاستماع إليه، وتعمل ليل نهار لإنصافه، ولإعطائه الفرص للتطور والنمو والارتقاء بذاته.
وفي نهاية المطاف.. ندرك جميعًا أن المؤسسات لا تصنعها المكاتب ذات الطراز الفخم والفاخر، ولا المزايا وحدها هي الكفيلة بصناعة رفاهية الموظف، بل يصنعها الإنسان الذي يعمل فيها، ويقضي ساعات يومه بين جدرانها، وحين يشعر الإنسان فيها أنه مقدر وجهوده محل اهتمام وقيمة، فلن يؤدي عمله فقط، بل سيصبح شريكًا في صناعة النجاح، وبناء المؤسسة التي يعيش فيها.
