د. عبدالله بن سليمان المفرجي
في عصر تتسارع فيه خطى الآلات حتى تكاد تسابق ظلال البشر ولادة النور، وتخترق ومضات الفكر، حيث تزداد الخوارزميات إمعانًا في الذكاء والتصيد حتى تخالها تنبض بالوعي والإدراك والمعرفة، وتمتد الفضاءات الرقمية إلى عوالم الميتافيرس، الذي تختلط فيه الحقيقة بالمجاز، والواقع بالخيال، وتُباع الأراضي الوهمية بملايين الدولارات، وتعقد عبره الصفقات الافتراضية، وتصير الهوية تجسيدًا رقميًا يتصرف نيابة عن صاحبه في غيابه، يبرز سؤال يقلق الفؤاد ويؤرق المضاجع: أتحمل الآلة ضميرًا حيًا؟ وهل تعرف الأكواد السيبرانية حدود الأخلاق في عوالم لا تخضع لقوانين الجاذبية ولا لحدود الجغرافيا؟ إنها ليست أسئلة ترفيهية، بل هي جوهر معركة البقاء عبر العوالم الرقمية، حيث تتحول أدوات الحماية إلى أسلحة فتاكة إن لم تحكمها أخلاقيات راسخة، وقوانين رادعة، وتصير القرارات المصيرية بين يدي خوارزميات لا تخضع للمساءلة، ويجد التقني نفسه في متاهات الميتافيرس لا يدري من يحكم هويته الرقمية. وهنا تبرز حتمية إنسانية: أن يظل الإنسان في الصدارة، يوجه الآلة ولا ينقاد لها، ويراقب الكود ولا يستسلم له، ويمتلك زمام المبادرة ولا يفقد السيطرة؛ لأن من يتحكم في الهوية الرقمية يتحكم في صاحبها، ومن يملك مفاتيح الميتافيرس يملك مستقبل التفاعل الإنساني.
ونحن نسمع دوي طبول الحرب الصامتة التي لا يسمعها إلا من أصغى بقلبه قبل أذنه، ندرك أن تأهيل الكوادر البشرية هو الدرع الحامي الذي لا يُخترق، والسور المنيع الذي لا يعلو عليه سور، فالإنسان ليس مستخدمًا للتقنية فحسب، بل حارسها الأمين، وهو الذي يملك من الحنين لوطنه ما يدفعه إلى أن يبذل الغالي والنفيس في سبيل حماية أسراره ومقدراته ومنجزاته، فالكوادر البشرية هي من تقود التقنيات الحديثة، وتمنحها الروح والقيم، وتحولها من أدوات جامدة إلى وسائل نبيلة في خدمة الإنسان والأوطان. فما قيمة أضخم الخوادم إن كانت في أيدٍ غير أمينة؟ وما جدوى أذكى الخوارزميات إن كان من يديرها لا يحمل في قلبه لهيب الغيرة على بلاده ومعاني الإنسانية؟
ولقد أدركت بعض الدول هذه الحقيقة، فاستبقت الزمن، وتسارعت مع سرعة الضوء، وأيقنت أن السيادة الرقمية تبدأ من عقل وطني، لا من خادم سحابي، فقامت بإرساء سياسات وطنية لحوكمة الذكاء الاصطناعي، تلزم المؤسسات بالشفافية، والرقابة البشرية على قرارات الآلات، وتقييم المخاطر المستمرة، وحماية البيانات الشخصية بوصفها خطًا أحمر، وذهبت إلى حد إصدار تعميمات تخضع الجهات الحكومية والخاصة لضوابط أخلاقية وتقنية صارمة، وكأنها تستشرف المستقبل قبل أن يطرق بابها. وفي سلطنة عُمان، يتجلى الحضور الرقمي في ريادتها بمجال الأمن السيبراني، إذ حققت مراكز متقدمة في المؤشرات الدولية، واحتضنت أول مركز إقليمي للأمن السيبراني للمنطقة العربية، بما يعكس دورها المحوري في تعزيز الأمن الرقمي وبناء القدرات السيبرانية إقليميًا. وقد أصدرت، في أبريل 2025م، وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات تعميمًا يحمل رقم: (11/2025)، بعنوان السياسة العامة للاستخدام الآمن والأخلاقي لأنظمة الذكاء الاصطناعي، لتصبح سباقة في المنطقة إلى تنظيم هذا المجال الحيوي. وتشمل السياسة ضوابط فنية ومبادئ أخلاقية تضمن الاستخدام المسؤول، وتلزم بإجراء تقييم دوري لأداء الأنظمة، وتوفير آليات إشراف بشري على القرارات المهمة، وضمان الامتثال لقوانين حماية البيانات، وتوثيق مراحل التطوير، واتباع أفضل ممارسات الأمن السيبراني، إدراكًا بأن الذكاء الاصطناعي سلاح ذو حدين، وأن تسخيره للتنمية يتطلب أطرًا متكاملة.
ولم تقف سلطنة عُمان عند هذا الحد، بل أصدرت، في فبراير 2022م، قانون حماية البيانات الشخصية بالمرسوم السلطاني رقم: (6/2022)، والذي يعد قانونًا متقدمًا لحماية البيانات الشخصية، ونُفذ بالكامل، ويلزم المؤسسات بالحصول على موافقة صريحة من الأفراد، وتقديم إشعارات خصوصية واضحة، وتعيين مسؤول لحماية البيانات، والالتزام بضوابط لنقل البيانات عبر الحدود، والإبلاغ الفوري عن أي خرق. وفي يونيو 2026، صدر قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الجديد، بالمرسوم السلطاني رقم: (61/2026)، ليعزز الأمن الرقمي، ويتضمن تعريفًا موسعًا لأنظمة الذكاء الاصطناعي، ويشدد العقوبات على جرائم الابتزاز والتهديد الإلكتروني، ويجرم إنشاء أو توزيع مواد إباحية للأطفال، ويفرض عقوبات على نشر محتوى يحرض على إدمان المخدرات. وهكذا تسير السلطنة في مسار مزدوج: بناء الكوادر وتأهيلها، وتشريع القوانين الحامية.
وتظل قضية الميتافيرس الأكثر إثارة للجدل، فهي تتيح فرصًا هائلة، لكنها تفتح أبوابًا جديدة للتجسس، وسرقة الهوية، واختراق البيانات، والاعتداء على خصوصية الأفراد واستقرار المجتمع، الأمر الذي يطرح إشكالية أخلاقية عميقة: من يضمن أن تظل الآلات في خدمة الإنسان لا ضده؟ وكيف نمنع تحول الحماية إلى تجسس؟ وكيف نضمن المساءلة في عصر تكتسي فيه القرارات بثوب الخوارزميات؟ إنها أسئلة وجودية تحتاج إلى إجابات من عمق التربية والتشريع والأخلاق، لا من قوة المعالجات. وقد تسارعت بعض الدول إلى صياغة سياسات للاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي وتنظيم الميتافيرس، لكن جوهر النجاح يظل مرهونًا بالكوادر البشرية القادرة على تنفيذها وتجويدها، وبالوعي المجتمعي الذي يدرك أن الأمن الرقمي مسؤولية جماعية.
وفي ختام هذه الرحلة الثلاثية المحطات، يبقى السؤال المصيري والجهوري: هل نبني كوادر بشرية تقود المستقبل، أم نصنع لأنفسنا بديلًا رقميًا يتفوق علينا، ويستولي على خصوصيتنا؟ إن الاستثمار في الكوادر المحترفة ليس خيارًا استراتيجيًا فحسب، بل معركة وجودية بين الإنسان والآلة، بين العقل والكود. فإذا كانت الأكواد اليوم تخترق حدود الدول، فهي غدًا قد تخترق وعينا الجمعي إن لم نستبق الزمن بتأهيل كوادر وطنية تفهم الأكواد وتطورها، لا تواجهها فقط. والإنسان الحاذق ليس عاملًا في منظومة تقنية، بل صانع القرار الأول، والضمير الحي للآلة. ومن يسيطر على الميتافيرس يسيطر على الوعي الجمعي، ومن يسيطر على الخوارزميات يسيطر على القرارات، ومن يسيطر على الكوادر البشرية يحسم المعادلة. فهل نقود التحول أم نكون ضحاياه؟ الجواب في قرارنا اليوم: نستثمر في العقول التي تصنع الأكواد، أم نترك أنفسنا رهينة لأكواد تصنعها عقول الآخرين؟ فاستثمروا في الكوادر البشرية قبل أن تغدو الأكواد السيبرانية هي من تحدد مصيركم، وتحكم هويتكم، وتحيط بكم إحاطة السوار بالمعصم أو أشد. فالمستقبل اليوم لم يعد يحسم بحديد ولا نار، بل بكود وإنسان، وبعقول لا تعرف الكلل، وضمائر لا تعرف الخيانة، وعزائم لا تلين في وجه عواصف الزمن العاتية وأمواجه المتلاطمة.
في زمن قد دقت فيه طبول الحرب، واستنفر النفير إلى ساحاتها، ولكنها ليست حروب البارود والرصاص، بل حروب الأكواد والخوارزميات التي تُدار في صمت الشبكات، وتُشعل في خفايا الخوادم، حروب لا تُرى فيها الطائرات، ولا تُسمع فيها صفارات الإنذار، لكنها تهز عروش الدول كالزلازل العاتية والبراكين المدمرة. وفي مشهد مهيب يليق بحكايات الملاحم، وقصة ألف ليلة وليلة، امتدت نيران تلك الحرب بين القوى المتصارعة في عالم الأكواد، فكانت "معركة الظل" التي لا تظهر في نشرات الأخبار، لكنها تُكتب في سجلات التاريخ الرقمي بمداد من نار وكود. ففي ذلك الصراع الذي استعر بين كيانات تمتلك أطول الأذرع السيبرانية، أضحت ساحة الوغى ليست الجبهات العسكرية، بل البنى التحتية، والمؤسسات المالية، وشبكات الكهرباء والماء، والمنشآت التقنية. وإذ كانت تلك المعركة الصامتة تجري على قدم وساق، فقد أبدى كل طرف قدراته على اختراق الخصوم من حيث لا يحتسبون، وطعنهم في مقتل دون أن يُراق دم واحد. فهل نستيقظ من غفوتنا قبل أن تطمس الأكواد السيبرانية هويتنا الوطنية، ونحن نرى بأعيننا كيف تسقط الدول في خضم هذه الحرب الصامتة دون أن تُطلق رصاصة واحدة؟
