استثمروا في الكوادر البشرية قبل أن تطمس الأكواد السيبرانية هويتكم (2-3)

 

 

د. عبدالله بن سليمان المفرجي

اعتادت الحضارة الإنسانية على رحلات الضوء المعرفي من الشرق إلى الغرب، كرحلة الشتاء والصيف، بيد أن الزمن قد انعكس اليوم، واضمحلت أشعة المعرفة تتهادى من الغرب إلى الشرق، ليس هروبًا من ظلمات الجهل، وغياهب الجب، بل بحثًا عن فضاءات أرحب للتجربة والإبداع والابتكار والتفوق العلمي. ففي مشهد يليق بروايات الخيال العلمي، يغادر ألمع المهندسين وأذكى المبرمجين الحاذقين مختبرات وادي السيليكون التي شيدت أمجادهم، متجهين صوب مدنٍ آسيوية لم تكن قبل عقود سوى أسواقٍ مستهلكة متهالكة، لكنها اليوم معاملُ معرفةٍ مفتوحة متطورة، ومختبراتٌ حية تتنفس البيانات كما تتنفس الغابات الأكسجين. إنها هجرة العقول المعكوسة «عودة الأدمغة»، حيث تتحول القبلة المعرفية رأسًا على عقب، وتدور بوصلة الزمن عاليها سافلها، وتصبح الأسرار القومية سلعةً تُباع في أسواق النخاسة، لا يعلو فيها صوت إلا صوت عروض الإغراءات اللاواعية. فما الذي يحدث في الشرق ليغري النخب الغربية المبدعة؟ وما الذي يحدث في الغرب ليطرد ألمع عقوله المبتكرة؟ في معركة اصطياد الرؤوس، هذا ما تكشفه هذه الحلقة التي تضع أصابعها على جرح السيادة المعرفية النازفة، أو الاغتراب المعرفي، أو الاستلاب الثقافي.

في زمن قياسي لا يتجاوز بضع سنين عجاف، تتبعها أعوام سمان خوالٍ، عادت أسراب من النخب العلمية المبدعة التي صقلتها المختبرات الغربية إلى وطنها الأول، ألا وهو مسقط رأسها شرقًا، ليس بدافع الحنين، ولا بباعث الشوق إلى الأهل والديار، بل بدافع الفرص الذهبية التي تقدمها دولة أصبحت كالمختبر المفتوح، والصرح العلمي المتطور، ترحب بكل تجربة جادة وعقل مبدع، وتعزز كل ابتكار وتطوير، وتغدق من الحوافز والمزايا الاستثنائية التي تسيل لها لعاب أصحاب العقول والمهارات، وتغدق لهم من العطايا ما يطغى على رواتب الغرب المغرية وجاذبيته، وكأنها تقول للعقول النابهة: هنا مكانكم، وهذا مستقبلكم، فتعالوا نبني معًا زمنًا جديدًا، ومستقبلًا مشرقًا. وكأن الزمن قد ارتد على عقبيه، فأصبح الشرق هو المهوى، والغرب هو المصدر، وأصبحت العقول تهاجر حيث يُقدَّر إبداعها، لا حيث يُدفع ثمنها. هذه الهجرة المعكوسة هي أشبه بتحول في مغناطيسية المعرفة نفسها، ففيما كانت العلوم تنزاح غربًا طيلة عقود، بدأت اليوم تنزاح شرقًا في هجرة رقمية هائلة تحمل معها الأسرار والتقنيات والأفكار الجديدة، وتفقد الغرب جزءًا من قدرته على الردع والمنافسة، وتنقل إلى الشرق مفاتيح الابتكار التي طالما احتكرها الغرب.

والغريب أن دولة أخرى عريقة في هذا المضمار تجد نفسها اليوم منهكة بنزيفها المعرفي، حيث تبلغ نسبة العجز في الكوادر السيبرانية مستويات تنذر بالخطر، وتئن شركاتها من نقص حاد في المختصين والخبراء، وكأن العقول أصبحت سلعة تتسابق عليها الأمم. وتلك هي معادلة الجذب الأقسى: كل عقل يرتحل هو فرجة في السور، وكل مختص يُفقد هو ممر يطل منه الخصوم على عورة الدولة وسوآتها، وكل خبير يغادر هو ثغرة في المناعة الوطنية تتهاوى معها الحصون واحدة تلو الأخرى.

إن الأسرار القومية هي الكنز الذي لا يُقاس بالذهب والأحجار الكريمة والألماس، فهي تجسيد للمعرفة الاستراتيجية التي إذا تسربت تهاوت معها هيبة الدولة وقدرتها على الردع، وتحولت قوتها إلى ضعف وهوان، وتحولت مناعتها إلى هشاشة. فالبيانات التي تحملها المختبرات السرية، والتصاميم التي تحتضنها مراكز الأبحاث، والخوارزميات التي تتحكم في منظومات الدفاع، كلها جواهر ثمينة لا يمكن للجيوش أن تعيدها إن سُرقت، ولا للحدود أن تردها إن عبرت، ولا للمال أن يعوضها إن فُقدت. وهذا بالضبط ما يضع العالم أمام مفارقة تاريخية: عندما تصبح العقول مهاجرة، تصبح الأسرار معها رهينة، وتصبح الدولة أشبه بالجسد الذي يفقد أجهزته المناعية، وتدب فيه الأمراض المعدية من كل باب، ويصبح كل يوم فيه معركة جديدة للبقاء.

وهنا يتقاطع البعد القانوني مع التقني، إذ شهد العام الأخير طفرة تشريعية غير مسبوقة، أقرت فيها دول غربية وشرقية قوانين صارمة تحمي البيانات، وتجرّم الاختراقات، وفرضت عقوبات مالية باهظة على مزودي الخدمات السحابية ومراكز البيانات. فأصبح الفضاء الرقمي أرضًا محروسة بقوانين رادعة لا هوادة فيها. لكن التشريعات وحدها، ما لم تصحبها كوادر مؤهلة قادرة على تطبيقها، ستظل حبرًا على ورق تذروه رياح التحديث المتسارعة، وتجتاحه سيول الاختراقات الجديدة.

وفي هذا السياق، تبرز نماذج راسخة لدول استوعبت الدرس باكرًا، كتلك الدولة المدينة في جنوب شرق آسيا التي أدركت أن الذكاء الاصطناعي القائم على الوكالة الذاتية يمكن أن يضغط هجمات كانت تستغرق أيامًا لتتحقق في ساعات، فاستبقت الأمر بوضع مبادئ توجيهية لتأمين أنظمة الذكاء الاصطناعي، ونشرت أوراقًا للنقاش حول تأمين الأنظمة الذكية، ونفذت أكبر تمرين سيبراني لها على الإطلاق، شارك فيه مئات المشاركين من وكالة الأمن السيبراني، والقوات المسلحة، ومشغلي البنى التحتية الحيوية، وأطلقت برنامجًا وطنيًا لمحاكاة هجمات الاحتيال لتدريب الجمهور والمختصين على التصدي لتكتيكات الاحتيال الناشئة. بل إن أعضاء مجالس إدارة مشغلي الخدمات الحيوية باتوا مطالبين بالخضوع لتدريبات إلزامية في الأمن السيبراني، وكأنهم جنود على الجبهة الجديدة، يدركون أن هزيمتهم في تلك التدريبات خير من هزيمتهم في الواقع.

وتقدم تجربة تلك الدولة الصغيرة في شمال أوروبا نموذجًا آخر ملهمًا، حيث جعلت من الأمن السيبراني أولوية وطنية قصوى بعد أن تعرضت لهجمات مدمرة في مطلع الألفية، وأطلقت استراتيجيات متعاقبة، وأقامت مراكز تدريب متخصصة، وأدمجت التعليم السيبراني في المناهج المدرسية منذ نعومة أظفار أطفالها، وفلذات أكبادها، حتى باتت اليوم من أكثر الدول تحصينًا رقميًا في العالم، رغم صغر حجمها وقلة تعدادها وعددها، وكأنها تقول للعالم: إن كنا صغارًا في المساحة والعدد، فإننا كبار في العقول، وإن كانت حدودنا ضيقة، فإن أفقنا المعرفي لا حدود له، وإن كان جيشنا صغيرًا، فإن وعينا الرقمي جيش لا يُقهر، وقوة لا يُستهان بها.

وكأن العقول أصبحت كالطيور المهاجرة، لا تستقر في وطن واحد، ولا تخلد في إقليم بعينه، بل تحلق حيث تُزرع لها حدائق الإبداع، وتمد لها موائد التجربة. ومن يظن أن الهجرة الجغرافية هي مجرد انتقال للأجساد، فإنه يغفل عن حقيقة أن الهجرة الحقيقية هي انتقال للأسرار والمعرفة والقدرة على صنع المستقبل. فمن يستثمر في عقول أبنائه اليوم يضمن سيادته غدًا، ومن يهمل كوادره البشرية يجد نفسه أمام معادلة صعبة، ومفترق طرق: إما أن يبني جدرانًا من العقول، أو يترك الأبواب مفتوحة للأكواد السيبرانية تسحقه وتطمس هويته. فلم تعد الحروب تُخاض بالدبابات والطائرات فقط.. اليوم، «فكود برمجي صغير» كفيل بتعطيل دول، وتدمير مفاعلات نووية، وسرقة هويات شعوب كاملة!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z