كأس جلالة السلطان لأفضل قرية سياحية

 

 

خالد بن عبدالوهاب البلوشي

في الوقت الذي تتنافس فيه الدول على استحداث مبادرات تعزز من تنافسية القطاع السياحي، نجد أن سلطنة عُمان لديها فرص حقيقية على خلق نقلة نوعية في السياحة الريفية، من خلال إطلاق مسابقة وطنية بعنوان: "كأس جلالة السلطان لأفضل قرية سياحية"؛ وهي مبادرة تجمع بين دعم جودة الحياة في القرى العُمانية، وتمكين المجتمع المحلي، والمحافظة على التراث، والتنمية الاقتصادية.

إن سلطنة عُمان غنية بعشرات القرى التي تتميز بخصوصية تراثية ومعمارية وبيئية فريدة، تنتشر بين الجبال والوديان والواحات والسواحل، وتشكل ثروة وطنية لا تقدر بثمن.

وقد استطاعت العديد من هذه القرى، من خلال أصالتها وجمالها الطبيعي، استقطاب الزوار من مختلف الدول، إلا أن المرحلة القادمة تحتاج إلى الانتقال من الجهود الفردية إلى مشروع وطني منظم يحفز التنافس الإيجابي بين القرى، ويشجعها، من خلال معايير إقليمية وعالمية، على تطوير منتجاتها السياحية.

ولا تقتصر أهمية هذه المبادرة على منح جائزة سنوية، بل تتجاوز ذلك لتصبح برنامجًا وطنيًا للتنمية الريفية المستدامة، ينسجم مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" في تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الاقتصاد المحلي، ورفع مساهمة القطاع السياحي في الناتج المحلي الإجمالي.

ولضمان نجاح المسابقة، ينبغي أن تعتمد على معايير دقيقة تشمل المحافظة على الهوية العمرانية، وجودة الخدمات السياحية، ونظافة البيئة، وإدارة الموارد الطبيعية، ومشاركة المجتمع المحلي، ودعم الحرف التقليدية، والابتكار في تقديم التجارب السياحية، واستخدام التقنيات الرقمية في التسويق والتعريف بالقرية.

كما ينبغي أن تكون المنافسة حافزًا لتطوير البنية الأساسية والخدمات، وليس مجرد سباق للفوز، بحيث تحصل القرى المشاركة على برامج تدريبية واستشارات فنية تساعدها على تحسين جاهزيتها واستدامة مشاريعها.

ومن المقترح أن تتولى وزارة التراث والسياحة الإشراف على المسابقة، بالتعاون مع المحافظات والولايات والجهات الحكومية ذات العلاقة، مع إشراك القطاع الخاص في الرعاية والتمويل، معززًا بذلك مفهوم الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تطوير القطاع السياحي.

أما الجوائز، فيقترح، على سبيل المثال، أن تكون على هذا المنوال: يُمنح المركز الأول جائزة قدرها 100 ألف ريال عُماني، تخصص لتنفيذ مشاريع تطويرية داخل القرية، إضافة إلى حملة ترويجية محلية ودولية، ولوحة شرف تحمل لقب "أفضل قرية سياحية في سلطنة عُمان"، صالحة لمدة عام.

ويمكن أن تمتد آثار هذه المبادرة إلى ما هو أبعد من حدود المنافسة، إذ ستسهم في تنشيط الاستثمارات السياحية، وتمكين الأسر المنتجة، وخلق فرص عمل، وترويج المنتجات المحلية، وتحفيز رواد الأعمال على الاستثمار في النزل التراثية، والمقاهي، والمطاعم، والأنشطة السياحية.

كما يمكن أن تصبح القرية الفائزة مرشحة لتمثيل سلطنة عُمان في المبادرات والمحافل الدولية الخاصة بالقرى السياحية، وكذلك المعارض العالمية، بما يعزز حضور سلطنة عُمان على خريطة السياحة العالمية، ويرسخ صورتها كوجهة تجمع بين الأصالة والاستدامة.

إن إطلاق مسابقة "أفضل قرية سياحية في سلطنة عُمان" ليس مشروعًا سياحيًا فحسب، بل هو ذو أبعاد اقتصادية وثقافية نابضة بالحياة، يعيد اكتشاف القرية العُمانية ويمنحها دورًا محوريًا في صناعة مستقبل السياحة.

فالاستثمار في القرية العُمانية هو استثمار في الإنسان، وفي الهوية، وفي الاقتصاد، وهو أحد المسارات الواعدة لبناء قطاع سياحي مستدام، وتقديم نموذج تنموي يحتذى به على المستويات الإقليمية والدولية.

إن هذه الجائزة بإمكانها أن ترتقي إلى مشروع وطني سنوي، بحيث تطبق على مدار العام، وتمنح في احتفال وطني يتزامن مع اليوم العالمي للسياحة، لتصبح أعلى وسام وطني في مجال السياحة القروية، بما يعزز مكانة الجائزة، ويحفز جميع المحافظات على التنافس في تطوير قراها السياحية.

الأكثر قراءة

z