السياحة العُمانية.. هل حان الوقت لفصل التشريع عن الترويج؟

 

 

د. خالد بن عبدالوهاب البلوشي

‎ لم تعد السياحة في العصر الحديث مجرد قطاع خدمي أو نشاط ترفيهي، لقد أصبحت السياحة قطاعًا اقتصاديًا متكاملًا، حيث إن التنافس بين الدول في السياحة والاستثمارات في أوجه.

ولم تعد الطبيعة والتراث هما مقياسَي نجاح القطاع، وإنما بقدرة المؤسسات على الترويج الاحترافي، والسرعة في اتخاذ القرار، والقدرة على سرعة مواكبة المتغيرات العالمية.

ففي سلطنة عُمان، لدينا مقومات ومعالم سياحية استثنائية؛ فمن الجبال الشاهقة إلى الشواطئ البكر، ومن المعالم التاريخية إلى الإرث الثقافي الأصيل، تمتلك سلطنة عُمان حقًا كنزًا سياحيًا حقيقيًا.

إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل أصبح النموذج المؤسسي الحالي هو الأنسب لتحقيق الطموحات والآمال السياحية التي تستهدفها رؤية عُمان 2040؟

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الفصل بين التشريع والترويج أصبح هدفًا استراتيجيًا يرفع كفاءة قطاع السياحة ويعزز تنافسيته.

فالتشريع، كما هو معروف وممارس، يحتاج إلى الاستقرار، والحوكمة، والتنظيم، والرقابة، بينما يحتاج الترويج إلى السرعة، والابتكار، والمرونة، والعمل وفق عقلية تجارية بحتة، مع مؤشرات أداء للمتابعة تستجيب لحركة الأسواق العالمية.

ولا يمكننا مطالبة جهة واحدة بأن تؤدي الدورين بالكفاءة نفسها؛ فبينما تنشغل الجهة المنظمة بإعداد اللوائح، وإصدار التراخيص، ومتابعة الالتزام بالأنظمة، تتطلب الحملات الترويجية قرارات سريعة، وميزانيات مرنة، وشراكات مع شركات الطيران المحلية والإقليمية والدولية، ومنظمي الرحلات، ومسوقي المقاصد السياحية، وشركات السفن السياحية، والمنصات الرقمية، وصناع المحتوى، إضافة إلى حضور مستمر في الأسواق السياحية العالمية.

إن إنشاء كيان واحد مستقل للترويج السياحي، يعمل بالشراكة مع القطاع الخاص، لا يعني إضعاف دور الحكومة، بل يعزز دورها الحقيقي كجهة مشرعة ومنظمة للقطاع. وفي المقابل، يمنح الجهة الترويجية حرية الحركة، واتخاذ القرار، والقدرة على استقطاب الكفاءات المتخصصة، وقياس العائد على الاستثمار التسويقي وفق مؤشرات أداء واضحة.

كما أن هذا النموذج يسهم في بناء علامة وهوية سياحية وطنية أكثر حضورًا وتأثيرًا، ويتيح تنفيذ حملات تسويقية طويلة الأمد تستهدف الأسواق ذات الأولوية، بدلًا من الاقتصار على المشاركة الموسمية في المعارض أو الحملات التقليدية. فالسياحة اليوم تُباع بالتجربة، وبالقصة، وبالهوية، قبل أن تُباع بالموقع الجغرافي.

وإذا كانت سلطنة عُمان تسعى إلى زيادة مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي، وجذب مزيد من الاستثمارات، وخلق فرص عمل نوعية للمواطنين، فإن تحديث المنظومة المؤسسية للقطاع يجب أن يكون جزءًا من هذه الرؤية، وليس مجرد خيار قابل للتأجيل.

إن مستقبل السياحة العُمانية لا يتوقف على بناء فنادق جديدة أو تطوير وجهات إضافية فحسب، بل يعتمد أيضًا على وجود مؤسسات تعمل وفق أفضل الممارسات العالمية، حيث تتكامل الأدوار دون أن تتداخل الاختصاصات.

لقد أثبتت التجارب أن الدول التي فصلت بين التنظيم والتشريع والترويج استطاعت أن تحقق قفزات نوعية في أعداد الزوار، وفي حجم الاستثمارات، وفي قوة علامتها السياحية. وفي سلطنة عُمان، ومع ما تمتلكه من إمكانات ومكانة عالمية مميزة، تستحق أن تتبنى نموذجًا مؤسسيًا أكثر مرونة وكفاءة، يجعل الترويج السياحي صناعة احترافية، ويمنح الجهات التشريعية المساحة الكاملة للتركيز على الحوكمة والتنظيم.

إن فصل الترويج عن التشريع ليس مجرد تعديل إداري، بل هو استثمار في مستقبل السياحة العُمانية، وخطوة قد تكون من أهم القرارات القادرة على نقل القطاع إلى فضاء السياحة العالمية.

إن سلطنة عُمان لا تحتاج إلى مقومات سياحية جديدة بقدر ما تحتاج إلى تغيير مؤسسي يُطلق العنان لتلك المقومات، فحين يترك التشريع الأهلي والترويج لمحترفيه تصبح السياحة قصة نجاح تروى لا فرصة مؤجلة.

الأكثر قراءة

z