حين يروي التنين حكاية الشرق الأوسط

 

 

 

الطليعة الشحرية

ليست كل أفلام الحرب معنية بالجنود، وليست كل الحروب تُروى من خلف فوهة بندقية، أحيانًا تكفي طاولة طعام، وقدر يغلي في مطبخ صغير، ورجل جاء من أقصى الشرق بحثًا عن رزقه، لكي نرى الحرب من زاوية أكثر قسوة وصدقًا؛ زاوية أولئك الذين لم يختاروها، لكنهم وجدوا أنفسهم عالقين في قلبها، من هذه المساحة الإنسانية ينطلق الفيلم الصيني "مرحبًا بكم في مطعم التنين"، المعروف دوليًا بعنوان Once Upon a Time in the Middle East.

ظاهريًا، تبدو الحكاية بسيطة، طاهٍ صيني يدعى "شو فو" يسافر إلى الشرق الأوسط محاولًا العمل وسداد ديونه، قبل أن تداهم الحرب المكان الذي جاء إليه باحثًا عن فرصة للحياة. يتحول مطعمه تدريجيًا من مشروع للرزق إلى ملجأ، ويجد الرجل الذي كان منشغلًا بمشكلاته الشخصية نفسه مسؤولًا عن حماية أطفال ومدنيين لم يكن يعرفهم قبل أن تجمعهم به الحرب.

لكن خلف هذه الحكاية البسيطة يقف سؤال أكبر بكثير من قصة طاهٍ ومطعم: من يملك حق رواية الشرق الأوسط؟ وكيف تبدو حروب المنطقة عندما تنتقل الكاميرا التي تنظر إليها من هوليوود إلى بكين؟

لا يدخل" شو فو" الشرق الأوسط بوصفه جنديًا أو سياسيًا أو دبلوماسيًا، إنه رجل عادي جاء حاملًا أدوات مهنته وأعباء حياته. وهذه نقطة مركزية في بناء الفيلم؛ لأنَّ الحرب لا تصل إليه بوصفها قضية جيوسياسية يقرأ عنها في الصحف، وإنما تدخل مباشرة إلى مطبخه، وتقلب وظيفة المكان ومعنى وجوده.

في البداية، يمثل المطعم وسيلة للبقاء الطعام مقابل المال، والعمل طريقا للخروج من الديون، لكن الحرب تعيد تعريف الأشياء. يفقد المال جزءًا من معناه حين تُصبح النجاة نفسها نادرة، وتتحول الطاولة من مكان يجلس حوله الزبائن إلى مساحة يتقاسم حولها الخائفون ما تبقى لهم من حياة.

وهنا ينجح الفيلم في استخدام المطعم بوصفه رمزًا يتجاوز وظيفته المكانية، إنه عالم صغير في مواجهة عالم كبير ينهار خارجه. في الخارج توجد الأسلحة والقصف وحسابات الدول، وفي الداخل يوجد الطعام والأطفال والخوف ومحاولات البقاء وبين العالمين يقف الطاهي.

لا يستطيع إيقاف الحرب، ولا تغيير موازين القوى، لكنه يستطيع حماية بضعة أمتار من الإنسانية وسط الخراب.

من أكثر الأفكار إثارة في الفيلم أن اللقاء بين الصيني والعربي يبدأ من الطعام، لا من السياسة؛ فالبطل لا يقدم نفسه للمجتمع المحيط به بخطاب عن الصين أو عن ثقافتها، وإنما بطبق يضعه أمام الآخرين.

وهنا يكتسب الطعام معنى يتجاوز الحاجة البيولوجية، يصبح لغة مشتركة بين أناس لا يتحدثون اللغة ذاتها، وقد لا ينتمون إلى الثقافة نفسها. المائدة مساحة لا تحتاج إلى مترجم؛ فالجلوس حول الطعام أحد أقدم أشكال الاعتراف الإنساني بالآخر.

وحين تأتي الحرب، تظهر المفارقة بوضوح؛ هناك من يدخل البلاد بالسلاح، وهناك من يدخلها بقدر للطهي. لا تعني هذه المقابلة أن الفيلم يقدم تفسيرًا محايدًا للصراعات التي يتناولها؛ فهو يحمل رؤيته الخاصة، ولكنها تكشف الطريقة التي يريد الفيلم من خلالها بناء صورته الأخلاقية للعالم؛ القوة العسكرية تستطيع السيطرة على المكان، لكن بناء العلاقة الإنسانية يحتاج أدوات مختلفة تمامًا.

ولهذا يصبح المطعم، تدريجيًا، نقيضًا رمزيًا لساحة الحرب التي يجري فيها تقسيم البشر وفق الانتماءات والمصالح والخصومات، بينما يجمعهم المطعم تحت حاجة واحدة؛ أن يأكلوا، وأن يعيشوا.

يكتسب وجود الأطفال في الفيلم أهمية خاصة؛ لأن دخولهم إلى الحكاية يغيّر السؤال الذي يطرحه العمل. لم يعد السؤال، من انتصر في الحرب؟ ولا من كان يمتلك التفوق العسكري؟ ولا حتى من كان يملك المبررات السياسية الأقوى؟ يصبح السؤال أكثر بساطة وإزعاجًا: من يدفع الثمن؟

فالطفل لا يعرف خرائط النفوذ ولا حسابات القوى الكبرى، ولا يستطيع تفسير المصالح الاستراتيجية التي أشعلت الصراع ومع ذلك قد يكون أول من يفقد البيت والأسرة والأمان.

ولهذا فإنَّ انتقال"شو فو" من طاهٍ يبحث عن خلاصه الشخصي إلى رجل يحاول حماية الأطفال هو جوهر التحول الأخلاقي في الشخصية، في البداية يسعى إلى إنقاذ نفسه من الدين؛ وفي النهاية يجد نفسه أمام دين من نوع آخر، دين إنساني لا يُكتب في دفاتر الحسابات. وهنا تتحول البطولة في الفيلم من مفهوم القوة إلى مفهوم المسؤولية.

على مدى عقود، قدمت السينما الغربية، والأمريكية خصوصًا، عددًا هائلًا من الأفلام التي تدور أحداثها في الشرق الأوسط، وكثير من تلك الأعمال جعل الجندي أو ضابط الاستخبارات أو المهمة العسكرية مركز السرد، وبالتالي شاهد الجمهور العالمي مدن المنطقة مرارًا من نافذة مركبة عسكرية، أو عبر منظار جندي، أو من غرفة عمليات.

"مرحبًا بكم في مطعم التنين" يغيّر موقع الكاميرا، فالشخصية الأجنبية هنا ليست جنديًا جاء لتنفيذ عملية، بل مهاجرًا جاء ليعمل. وعندما تقع الحرب لا يصبح مشاركًا فيها بقدر ما يصبح أحد الذين يحاولون النجاة منها. هذا التحول في زاوية الرؤية مهم؛ لأن تغيير موقع الكاميرا يعني تغيير الحكاية نفسها.

الحرب التي تبدو على شاشة غرفة العمليات مجموعة أهداف وخرائط وإحداثيات، تصبح من داخل المطعم وجوهًا وأطفالًا وأصواتًا وأبوابًا مغلقة وأشخاصًا ينتظرون أن تمر ليلة أخرى بسلام. إنها الحرب ذاتها، لكن الراوي مختلف.

وهنا نصل إلى الطبقة الأكثر أهمية في الفيلم، القضية ليست فقط أن الصين أنتجت فيلمًا عن الشرق الأوسط، بل إن قوة عالمية صاعدة بدأت تقدم سرديتها الخاصة لمنطقة ظلت طويلًا جزءًا أساسيًا من المخيال السياسي والسينمائي الغربي.

فالسينما ليست مجرد ترفيه. إنها إحدى الأدوات التي تصنع بها الدول والمجتمعات صورتها عن العالم، وحين يشاهد ملايين الأشخاص منطقة ما عبر السينما، فإنهم لا يشاهدون المكان فقط؛ بل يشاهدون تفسيرًا له.

من هو الضحية؟ من هو المعتدي؟ من هو المنقذ؟ من يستحق التعاطف؟ وأي حياة تستحق أن تُروى قصتها؟ هذه الأسئلة لا تجيب عنها الحوارات وحدها، بل يجيب عنها موقع الكاميرا واختيار البطل ومنحه الصوت والمساحة والزمن.

ومن هنا يمكن قراءة الفيلم ضمن توسع الحضور الثقافي الصيني عالميًا، فالصين التي أصبحت لاعبًا اقتصاديًا وتقنيًا وسياسيًا كبيرًا لا تكتفي بأن تكون موضوعًا للرواية العالمية؛ إنها تسعى كذلك إلى أن تكون أحد رواة العالم.

والفرق جوهري، أن تكون قويًا اقتصاديًا يعني أن تبيع منتجاتك في العالم، أما أن تمتلك قوة ثقافية فمعناه أن يصبح العالم مستعدًا أيضًا للاستماع إلى القصص التي ترويها.

حتى عنوان الفيلم يكشف عن مستويين مختلفين للقراءة. العنوان الصيني، "مرحبًا بكم في مطعم التنين"، يأخذنا إلى مساحة صغيرة وحميمية، مطعم، باب، طاهٍ وزبائن. إنه عنوان عن المكان والإنسان، أما العنوان الدولي Once Upon a Time in the Middle East فيفتح العدسة على اتساعها. عبارة «كان يا ما كان في الشرق الأوسط» تجعل القصة أقرب إلى حكاية عن منطقة وحقبة كاملة. بين العنوانين تتحرك فلسفة الفيلم ذاتها.

نبدأ من مطعم صغير، ثم نكتشف أننا أمام أسئلة الحرب والقوة والتدخل والإنسان، وكأن الفيلم يقول إن التاريخ الكبير لا يحدث فقط في قصور الرئاسة وغرف العمليات ومجالس الأمن؛ إنه يحدث أيضًا في المطابخ والبيوت والشوارع، وفي حياة أناس قد لا تذكر كتب التاريخ أسماءهم أبدًا.

ربما يقود الفيلم المشاهد العربي إلى سؤال أكثر إلحاحًا، إذا كانت هوليوود قد روت الشرق الأوسط طويلًا من منظورها، وإذا بدأت السينما الصينية اليوم تقدم رؤيتها الخاصة للمنطقة، فأين تقف الرواية العربية؟

ليس السؤال اعتراضًا على أن يروي الآخر قصتنا؛ فالثقافة الإنسانية قامت دائمًا على أن يرى بعضنا بعضًا ويروي بعضنا حكايات بعض، لكن المشكلة تبدأ عندما يعرف العالم مكانًا كاملًا أساسًا من خلال عيون الآخرين.

فالذي يمتلك الكاميرا لا يمتلك الصورة فقط، بل يمتلك القدرة على تحديد ما يدخل الإطار وما يبقى خارجه، ولهذا فإن مشاهدة فيلم صيني عن حرب عربية ينبغي ألا تفتح فقط نقاشًا حول الطريقة التي ترى بها الصين الشرق الأوسط، وإنما أيضًا حول الطريقة التي نروي بها نحن تاريخنا.

هل أنتجنا ما يكفي من الأعمال القادرة على تقديم الإنسان العربي إلى العالم خارج الصور الجاهزة للحرب والنفط والصراع؟ هل استطعنا أن نحول تجارب شعوبنا إلى سرديات عالمية؟

وهل نملك أدوات القوة الناعمة التي تجعل الآخرين يشاهدون قصتنا بلغتنا البصرية، لا أن نكتفي بمشاهدة أنفسنا في مرايا الآخرين؟

في النهاية، قد يبدو "مرحبًا بكم في مطعم التنين" قصة عن رجل صيني فتح مطعمًا في أرض بعيدة ثم وجد نفسه وسط حرب، لكن خلف المطعم تختبئ حكاية أكبر عن العالم الذي نعيش فيه، وعن انتقال القوة، وعن قدرة السينما على إعادة تشكيل الذاكرة والصورة.

"شو فو" لا يحمل مشروعًا سياسيًا حين يدخل الشرق الأوسط؛ يحمل أدوات الطبخ، لكنه، من حيث لا يدري، يصبح جزءًا من سؤال سياسي وثقافي أكبر منه؛ كيف يلتقي الناس عندما تفصل بينهم الدول والحروب واللغات؟

وربما تكمن المفارقة الأجمل في أن الفيلم، وسط ضجيج المدافع، يختار أكثر الأشياء بساطة ليقول كلمته؛ مائدة.

فالحرب تستطيع أن تجعل الإنسان يرى الآخر عدوًا قبل أن يعرف اسمه، بينما تستطيع المائدة أن تجعل غريبين يجلسان وجهًا لوجه قبل أن يعرف كل منهما لغة الآخر.

لكن الفيلم يترك وراءه سؤالًا آخر، وربما يكون السؤال الأهم بالنسبة إلينا نحن العرب:

حين تصبح حكايات الشرق الأوسط مادة للسينما العالمية، من سيقف خلف الكاميرا؟ ومن سيختار زاوية الصورة؟ ومن سيكتب الذاكرة التي سيعرفنا بها العالم بعد أن تنتهي الحرب؟

المعركة على صورة الشرق الأوسط لا تجري في السياسة وحدها، بعضها يجري على الشاشة.

الأكثر قراءة

z