مرتضى بن حسن بن علي
شهدت نهاية ثمانينيات القرن الماضي انطلاق أولى المحاولات الرسمية لتطبيق سياسات "التعمين"، كاستراتيجية وطنية تهدف إلى إحلال الكوادر العُمانية محل العمالة الوافدة وتحقيق الأمان الوظيفي. ورغم الجهود والنوايا الوطنية المخلصة عبر عقود، إلا أنَّ الواقع الاقتصادي يشير إلى أن هذه العملية لم تسفر عن النتائج المرجوة، وظلت تشهد تعثرًا هيكليًا حال دون إيجاد استقرار وظيفي.
لماذا تعثرت البدايات؟
أولًا: الاعتماد على الريع النفطي ومحدودية التنويع الاقتصادي
طبيعة القطاع النفطي: يُعد قطاع النفط والغاز قطاعًا كثيف رأس المال ولكنه محدود القدرة على توليد فرص عمل نوعية ومباشرة تستوعب التدفقات المتزايدة من الخريجين.
بطء التنويع: أدّى التأخر التاريخي في بناء قاعدة إنتاجية واسعة بالقطاعات غير النفطية (كالصناعات التحويلية، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا) إلى تقليص الفرص المتاحة، وحصر التشغيل إما في الجهاز الحكومي أو في قطاع خاص يعتمد على أنشطة استهلاكية منخفضة القيمة المضافة.
ثانيًا: التركيز على "الكم" دون "النوع" (التعمين الصوري)
منطق النسب المئوية: اعتمدت السياسات الإدارية على فرض نسب تعمين إجبارية دون التأكد من جاهزية السوق أو توفر المؤهلين.
التشغيل الهامشي: اضطرت العديد من شركات القطاع الخاص إلى توظيف المواطنين في مهن دنيا لاستيفاء النسب وتجنب العقوبات، مما أدى إلى نشوء "التعمين الصوري"، وغياب التأهيل الشامل للوظائف المتوسطة والتنفيذية والقيادية.
ثالثًا: اتساع الفجوة المهارية ومخرجات التعليم
التعليم التقليدي: ركزت المنظومة التعليمية والتدريبية لعقود على المناهج الأكاديمية والنظرية على حساب التخصصات الميدانية والفنية.
متطلبات السوق: نشأت فجوة واسعة بين المهارات التي يحملها الخريجون والمهارات التقنية والتحليلية التي يطلبها قطاع الأعمال في ظل التطور التكنولوجي السريع.
رابعًا: الاختلالات الهيكلية بين القطاعين العام والخاص
تفاوت بيئة العمل: أوجد الفارق الكبير في ساعات الدوام، والحوافز المالية، ونظام التقاعد، والأمان الوظيفي بين القطاع الحكومي والخاص تفضيلًا حادًا للوظيفة الحكومية.
ارتفاع دوران العمل: أصبح القطاع الخاص يُعامل كمحطة انتظار مؤقتة لحين الحصول على فرصة حكومية، مما رفع معدلات دوران العمل وزاد من الأعباء المادية والتدريبية على أصحاب الأعمال.
خامسًا: ضعف الشراكة مع القطاع الخاص وجمود التشريعات
النهج الفوقي: صُممت التشريعات والقوانين العمالية دون إشراك حقيقي لأصحاب الأعمال والشركات في قيادتها وتحديد احتياجاتها الحقيقية.
ضعف المرونة: اتصفت بعض القوانين بالجمود، مما أعاق نمو المؤسسات وقدرتها على التكيف مع الدورات الاقتصادية والتنافسية.
سادساً: الترسبات الثقافية والنظرة المجتمعية للعمل
تفضيل المهن المكتبية: ساهمت الثقافة السائدة في تغذية التفضيل للعمل الإداري وتهميش الوظائف المهنية والحرفية والميدانية، مما حدّ من الإقبال الوطني على القطاعات الإنتاجية والتنفيذية.
وفيما يلي نضع جملة من التوصيات والموجهات التنفيذية لمتخذي القرار:
1. التحول من "إجبار النسب" إلى "بناء التنافسية": جعل المواطن هو الخيار المفضل لأصحاب الأعمال بفضل كفاءته وإنتاجيته، وليس فقط بقرارات وإجراءات إلزامية.
2. سد الفجوة المهارية: ربط مخرجات التعليم والتدريب الفني والمهني باحتياجات القطاعات الواعدة وشروط الاقتصاد الرقمي.
3. تطوير بيئة القطاع الخاص: توحيد وتقارب المزايا التشغيلية وأنظمة التقاعد بين القطاعين لردع دوران العمل وجعل القطاع الخاص بيئة مهنية جاذبة ومستقرة.
4. تعزيز الشراكة مع قطاع الأعمال: إشراك أصحاب العمل والمستثمرين في صياغة السياسات العمالية لضمان مرونة سوق العمل وتحفيز نمو الشركات.
وأخيرًا.. إنَّ قراءة كبوة البدايات ونقد مسار التعمين لا يستهدفان التقليل من الإنجازات الوطنية بقدر ما يسعيان إلى وضع خارطة طريق أكثر ملاءمة للتطلعات المستقبلية. وهنا تبرز "رؤية عُمان 2040" بوصفها الإطار المرجعي والإستراتيجي لإصلاح هذه الاختلالات الهيكلية؛ حيث تضع الرؤية في مقدمة أولوياتها بناء اقتصاد متنوع وقائم على المعرفة والتكنولوجيا بدلاً من الارتهان للريع النفطي.
ومن خلال المبادرات والبرامج الوطنية، تسعى سلطنة عُمان إلى إعادة صياغة العلاقة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، وتوسيع القاعدة الإنتاجية في قطاعات السياحة، واللوجستيات، والصناعة، والذكاء الاصطناعي.
إنَّ الانتقال المُستهدف نحو سوق عمل ديناميكي وجاذب للكفاءات يعتمد بالأساس على تمكين الإنسان العُماني بالمهارات العالية والإنتاجية التنافسية، ليصبح المواطن الشريك الرئيسي والمحرك الفعلي لمسيرة التنمية الاقتصاديّة والرفاه المستدام الذي تتطلع إليه الرؤية المستقبلية.
