مجيد العصفور
هناك أماكن لا نغادرها مهما إبتعدنا عنها، لأنها تسكن الذاكرة قبل أن تسكن الجغرافيا.
وبالنسبة لي، ستظل بطولة ويمبلدون للتنس واحدة من تلك الأماكن التي ارتبطت بمحطات جميلة في حياتي، منذ أن تشرفت بحضور المباراة النهائية للبطولة عام 1977، التي جمعت بين العملاق السويدي بيورن بورجم ومنافسه الأمريكي جيمي كونرز، في واحدة من أشهر النهائيات في تاريخ اللعبة.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت ويمبلدون موعدًا سنويًا أنتظره بشغف، أتابع مبارياتها، وأرصد نجومها، وأعيش تفاصيلها، حتى جاء عام 2026 ليمنحني فرصة العودة إلى هذا الصرح الرياضي العريق، فتجددت الذكريات، وعادت معها مشاعر لا يطويها الزمن.
وقد جاءت هذه الزيارة بعد دعوة كريمة من اللجنة المنظمة لبطولة ويمبلدون، بالتنسيق مع لجنة تسيير أعمال الاتحاد العماني للتنس، تقديرًا لي بصفتي أحد الرؤساء السابقين للاتحاد. وهي لفتة نبيلة أعتز بها كثيرًا، وأتقدم من خلالها بخالص الشكر والتقدير للجنة المنظمة وللقائمين على الاتحاد العماني للتنس.
وكعادتها، أثبتت ويمبلدون أنها ليست مجرد بطولة رياضية، بل مدرسة عالمية في التنظيم والإدارة. فمنذ لحظة الوصول يشعر الضيف بأنه محل ترحيب واهتمام، حيث تُنجز إجراءات الدخول بسرعة ودقة، وتُخصص أماكن الجلوس بكل احترافية، في مشهد يعكس احترام الإنسان قبل أي شيء آخر.
ومن التقاليد التي ما زالت تحافظ عليها البطولة الالتزام بالزي الرسمي داخل المقصورات المخصصة للضيوف، فلا يُسمح بارتداء ملابس الجينز، في صورة تعكس المحافظة على هوية البطولة وتاريخها الممتد لأكثر من قرن.
أما داخل الملاعب، فإنك تشاهد مزيجًا رائعًا بين عبق التاريخ وأحدث التقنيات. فقد أصبحت الأنظمة الإلكترونية تتولى تحديد سقوط الكرة بدقة متناهية، بعد أن كانت هذه المهمة من اختصاص حكام الخطوط، الأمر الذي أسهم في رفع مستوى العدالة وتقليل الجدل أثناء المباريات.
وأثناء تجوالي في أروقة البطولة، استوقفتني أيضًا رحلة تطور مضارب التنس. فمن المضارب الخشبية الثقيلة التي عرفناها في سبعينيات القرن الماضي، إلى المضارب الحديثة المصنوعة من الجرافيت وألياف الكربون والمواد المركبة، والتي منحت اللاعبين إمكانات هائلة في القوة والدقة والتحكم، بما يعكس التطور الكبير الذي شهدته هذه الرياضة عبر العقود.
ولا تقتصر روعة ويمبلدون على المنافسات داخل الملاعب، بل تمتد إلى الخدمات المتكاملة التي تقدمها للزوار؛ فالمطاعم والمقاهي، وصالات الاستراحة والاستقبال، والمرافق المختلفة، تجعل من ويمبلدون مدينة رياضية متكاملة، يشعر فيها الزائر بالراحة والخصوصية في آن واحد.
ولأن صيف عام 2026 جمع بين عرسين رياضيين عالميين، بطولة ويمبلدون للتنس وكأس العالم لكرة القدم، فقد كان وجداني يتنقل بين الملاعب العشبية في لندن وملاعب المونديال. ولم أستطع أن أفوّت متابعة مباراة المنتخب المصري الشقيق، فغادرت مقعدي في ويمبلدون لبعض الوقت لأتابع اللقاء بكل شغف، إيمانًا مني بأن المنتخب المصري كان خير ممثل للكرة العربية والإفريقية في هذا المحفل العالمي.
عدت بعدها إلى ملاعب ويمبلدون، لكن شيئًا من الحزن كان يرافقني بعد خروج المنتخب المصري من المنافسة. ولم يكن ذلك الحزن مقتصرًا على مصر وحدها، فقد كنت قد تأثرت أيضًا بخروج المنتخبين البرازيلي والبرتغالي، وهما من المنتخبات التي طالما أمتعت عشاق كرة القدم عبر تاريخ كأس العالم. شعرت يومها وكأن المونديال قد فقد شيئًا من بريقه برحيل مدارس كروية عريقة صنعت الكثير من أجمل ذكريات اللعبة.
غير أن الرياضة، كما تعلمنا دائمًا، لا تتوقف عند خسارة أو خروج، بل تمنحنا في كل يوم قصة جديدة تستحق المتابعة. وما إن جلست في مقصورة ويمبلدون من جديد حتى وجدت نفسي أمام واحدة من أجمل مباريات البطولة، حين قدّم النجم الصربي نوفاك ديوكوفيتش عرضًا استثنائيًا امتد لأكثر من خمس ساعات، أظهر فيه عزيمة الأبطال وإصرارهم، فكان ذلك الأداء الراقي كفيلًا بأن يبدد شيئًا من مشاعر الحزن، ويعيد إليّ متعة الرياضة في أبهى صورها.
ومن المنتظر أن يواجه ديوكوفيتش اختبارًا بالغ الصعوبة أمام المصنف الأول عالميًا الإيطالي يانيك سينر، في مواجهة ينتظرها عشاق التنس بشغف كبير، لما تحمله من صراع بين الخبرة والطموح، وبين تاريخ كبير وحاضر متوهج.
وأنا أتابع تلك المباريات، كنت أسترجع في ذهني صور الأبطال الذين مروا على ملاعب ويمبلدون منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، وكيف تغيرت الأسماء، وتبدلت الأدوات، وتطورت أساليب اللعب، بينما بقيت ويمبلدون محافظة على هيبتها وقيمها ومكانتها باعتبارها أعرق بطولات التنس في العالم.
لقد خرجت من هذه الزيارة وأنا أكثر قناعة بأن سر تميز ويمبلدون لا يكمن في بطولاتها فقط، بل في قدرتها على الجمع بين الأصالة والتجديد، وبين احترام التاريخ واستيعاب المستقبل.
وستبقى هذه البطولة بالنسبة لي أكثر من مجرد منافسات رياضية؛ إنها مدرسة في الانضباط، ولوحة حضارية في التنظيم، وذكريات جميلة تمتد من عام 1977 إلى عام 2026، وستظل حاضرة في وجداني كلما جاء شهر يوليو، وعادت معه أنظار العالم إلى الملاعب العشبية الأشهر في عالم التنس.
