وماذا جنى السنة العرب بعد نصف قرن؟

 

عبدالنبي الشعلة

بعد نشر مقالي الأسبوع الماضي بعنوان: «بعد نصف قرن… ماذا جنى الشيعة العرب؟» تلقيت عددًا من الرسائل والتعليقات، كان من بينها سؤال تكرر أكثر من مرة: وماذا جنى السنة العرب؟ أي بمعنى؛ أوَلم يعانِ السنة العرب أيضًا في الفترة ذاتها؟ وقد وجدت أن هذا السؤال لا يقل أهمية عن السؤال الأول، بل ربما يقودنا إلى مراجعة أوسع، تتجاوز الانتماءات المذهبية، لقراءة حصيلة ما يقرب من نصف قرن من الصراعات والتحولات التي عاشتها منطقتنا منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979.

وهذا النوع من التفاعل، مع القراء والمتابعين، دليل على أن المقال السابق طرق قضية حساسة تستحق النقاش. أما التساؤل: «وماذا جنى السنة العرب؟» فهو بمثابة الدعوة إلى توسيع دائرة النقاش واستكمالها، والارتقاء بها من مساءلة مشروع مذهبي بعينه، إلى مراجعة أهم المشاريع الأيديولوجية العابرة للحدود، وما أحدثته في الدولة والمجتمع والهوية الوطنية.

ولذلك فإننا، في هذه الوقفة، لا نهدف إلى إجراء مقارنة بين خسائر السنة وخسائر الشيعة، ولا إلى تحديد أي الطرفين دفع ثمنًا أكبر؛ فالخسائر شملت الجميع، وإن تفاوتت صورها وأسبابها ومراحلها. كما لا نهدف إلى الدفاع عن طرف أو إدانة آخر، وإنما إلى مراجعة تجربة تاريخية طويلة بمنظار المصلحة العربية والإسلامية المشتركة، وإلى إعادة الدولة الوطنية إلى رأس سلم الانتماءات والأولويات، وعدم تحويل المذهب أو الدين إلى مشروع سياسي يتجاوز الحدود والسيادة الوطنية.

إن الخاسر خلال العقود الخمسة الماضية لم يكن الشيعة العرب وحدهم الذين ربط البعض منهم انتماءهم المذهبي بمشروع ولاية الفقيه، وإنما خسر السنة العرب أيضًا، وخسرت معهم المنطقة العربية بأكملها. فالخسارة أصابت وتصيب كل من يسمح بتحويل هويته الدينية أو المذهبية إلى وقود لصراعات إقليمية، أو يجعل ولاءه لتنظيم أو مرجعية سياسية خارج حدود وطنه، سواء حمل ذلك المشروع راية ولاية الفقيه، أو شعار الخلافة، أو مشروع جماعة الإخوان المسلمين، أو غيرها من التنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود.

وجماعة الإخوان المسلمين، وإن كانت قد تأسست قبل الثورة الإيرانية بعقود، فإن مشروعها السياسي العابر للحدود توسع خلال الفترة نفسها، وتداخل مع الأزمات العربية وتقلباتها. وقد أسهمت ممارسات جماعات متطرفة خرج بعضها من البيئات الأيديولوجية المغلقة في تشويه صورة الإسلام والمسلمين، ولا سيما في المجتمعات الغربية، وتحويل قطاعات من الجاليات المسلمة إلى موضع ريبة أو اشتباه، حتى أصبح المسلم في تلك المجتمعات مطالبًا أحيانًا بتبرئة نفسه من جرائم لم يرتكبها وأفكار لا يؤمن بها.

أما الجواب المباشر عن سؤال: ماذا جنى السنة العرب؟ فهو أنهم دفعوا، مثل الشيعة العرب، ثمنًا باهظًا. دفعوه في أرواح الملايين من ضحايا الحروب والصراعات التي شهدتها المنطقة منذ قيام الثورة الإيرانية، وفي موجات النزوح واللجوء التي شهدتها سوريا والعراق واليمن وليبيا؛ حيث تؤكد بيانات مفوضية الأمم المتحدة ضخامة النزوح في المنطقة؛ إذ ظل أكثر من 12 مليون سوري نازحين داخل البلاد أو خارجها، كما بقي نحو مليون عراقي نازحين داخليًا، وكانت سوريا واليمن ضمن أكبر بؤر النزوح الداخلي عالميًا بنهاية 2025. وفي غزة ظل نحو مليوني إنسان، أي قرابة 90% من السكان، في حالة نزوح بنهاية العام نفسه.

ودفعوا الثمن في الخراب الذي أصاب المدن والاقتصادات ومؤسسات الدولة. وفي تنامي التطرف والإرهاب الذي ألحق بالمجتمعات السنية نفسها أضرارًا جسيمة، قبل أن تمتد آثاره إلى بقية المجتمعات والعالم.

ودفعوه أيضًا في استنزاف الموارد في الحروب والنزاعات على حساب التعليم والصحة والتنمية، وفي اتساع فجوة الثقة بين مكونات المجتمع الواحد، وفي تراجع مفهوم المواطنة أمام العصبيات الطائفية والحزبية والقبلية. أما في غزة السنية، فإن الخسارة تخطت بمسافات شاسعة الانتماء المذهبي؛ فما تعرض له الشعب الفلسطيني الشقيق من دمار وقتل وتصفيات هو مأساة وطنية وإنسانية، تكشف كيف يمكن للشعارات المتطرفة والرهانات الخاطئة، إلى جانب العدوان والاحتلال، أن تترك المدنيين يدفعون الثمن الأفدح.

وإذا كان الشيعة العرب لم يربحوا، والسنة العرب لم يربحوا، فمن الذي ربح إذًا؟

الحقيقة أن الأوطان العربية كانت الخاسر الأكبر. وربما حققت هذه الدولة أو تلك، أو هذا التنظيم أو ذاك، مكاسب مرحلية أو نفوذًا مؤقتًا، إلا أن أحدًا لم يحقق انتصارًا مستدامًا. وحتى القوى الإقليمية والخارجية التي استفادت من الانقسام العربي، دفعت، بدرجات مختلفة، أثمانًا سياسية واقتصادية وأمنية. أما الرابح الأكثر ثباتًا فكان منطق الانقسام والصراع نفسه؛ ذلك المنطق الذي استنزف المجتمعات، وأضعف الدولة الوطنية، وأتاح للتدخلات الخارجية أن تتوسع، وحوّل التنوع الديني والمذهبي من مصدر ثراء حضاري إلى أداة للتعبئة والتحريض.

ولا ينبغي أن تنتهي هذه المراجعة عند تعداد الخسائر واستذكار المآسي، بل يجب أن تفتح أفقًا للخروج من دائرة الاستقطاب؛ أفقًا عنوانه المواطنة والدولة الوطنية والولاء والتنمية والتعايش. فبعد ما يقرب من نصف قرن من الصراعات، آن الأوان لأن يراجع المنقادون وراء الأجندات المتطرفة، من مختلف الأطياف، مواقفهم، وأن يعيدوا الاعتبار للوطن بوصفه الإطار الجامع، وللمواطنة بوصفها أساس الحقوق والواجبات، وأن يكون معيار الولاء هو المصلحة الوطنية، لا أي مشروع سياسي عابر للحدود.

ولعل أهم ما تعلمناه أن كرامة الإنسان لا تتحقق إلا في ظل دولة وطنية عادلة، يتساوى فيها المواطنون أمام الدستور والقانون، وتحترم فيها العقائد والمذاهب دون أن تتحول إلى أدوات للصراع السياسي. وما لم تتحول هذه القناعة إلى مشروع سياسي وثقافي وتربوي واجتماعي، فستظل منطقتنا معرضة لإنتاج الأزمات نفسها، مهما تبدلت الشعارات أو تغيرت التحالفات وموازين القوى.

ولعل السؤال الذي يجب أن يجمعنا بعد كل ذلك ليس: ماذا جنى السنة أو الشيعة؟ بل: كيف نستعيد أوطانًا تتسع للجميع، ولا يكون فيها الانتماء الديني أو المذهبي سببًا للشك والفرقة، وإنما جزءًا من تنوع وطني تحميه الدولة وتصونه المواطنة؟

الأكثر قراءة

z