د. صالح الفهدي
في عالمٍ يجرُّ النفوس جرًّا إلى تحقيق المصلحةِ الشخصية، ينتزعها من روحِ الإيثار ليلقيها في براثن أنانيَّةِ الفردانيةِ، تسقطُ القيم الإنسانية العُليا، بل وتُداس بأحذيةِ شهوةِ المال، فيقلُّ الصادقون، ويكثرُ الكاذبون الغشَّاشون الذين لا يعنيهم المال الحلال، ولا الكلمة الصادقة، ولا الإنسانية النقيَّة.
تبحثُ في المستشفيات التي تقومُ على المال، فلا تجدُ الصادقَ منها إلا القلَّة، وربَّما لأسبابٍ تعود إلى ضمائرَ حيَّةٍ لبعض الأطباء فيها، وإلاَّ فالمريضُ فريسةٌ تتناوشه فواتيرها لفحوصاتٍ لا طائل منها سوى كسب المال من ذلك المريض الذي يحسب الصدقَ في "ملائكة الرحمة". وبعد أن يبلغَ المدى من دفعِ المالِ، يتَّجهُ إلى غشَّاشٍ يتاجرُ بالدين ليزعم له أنه مصابٌ بالعينِ أو السحر، وأنه محتاجٌ إلى الرقية الشرعيةِ أو العلاج بالقرآن، وعليه أن يدفعَ مالًا ليُشفى، فيحسبه تقيًّا يخاف الله فيه، لكنَّه يتاجرُ بالتدليس والنصب على الناس، همُّه المال، وليس غير المال.
تبحثُ في ورش السيارات عن فنِّيٍّ صادقٍ ليكشفَ أعطال السيارة، فإذا به يُخرجُ كشفًا طويلًا كما فعل الطبيب بالمريض! في إحدى الورش التي أعلنت تخفيضًا للصيانة الدورية، وبعد أن أخرجتُ مركبتي، إذا بتقرير هذه الورشة يبرز أعطالًا عديدةً تحتاجُ إلى مبالغ طائلة لإصلاحها، وحين كشفتُ عليها عند من أثق، أكَّد لي بأنه لا حاجة إلى إجراءِ أيِّ إصلاح؛ لأن القطع المذكورة سليمة!
تتعاطفُ مع من هو من جنسكَ فتقول: أقفُ معه لتشجيعه في مشروعه، أو في تأجيره عقارًا، فإذا بك تنال الأمرَّين من تعامله معك فيما بعد، بل تصبح عدوَّه اللدود جزاء تعاطفك معه، فتصبحَ حذرًا وحسَّاسًا عند التعامل حتى مع أبناءِ جلدتك كي لا يوقعك التعاطف في الفخ، ومع ذلك تقعُ مرَّاتٍ ومرَّات، رغم مضاضة ظلم الأقربين: "وَظُلمُ ذَوي القُربى أَشَدُّ مَضاضَةً ... عَلى المَرءِ مِن وَقعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ".
البحثُ عن الصدقِ أمرٌ فيه من الأسى ما فيه، كيف نبحثُ عن الصدقِ ونحنُ في مجتمعٍ مسلمٍ يُفترضُ أن يكون الفرد المسلم صادقًا: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ" (التوبة: 119)، وأنَّ عليه أن "يتحرَّى الصدق حتى يُكتبَ عند الله صدِّيقًا" (جزء من حديث شريف). ويا للعجب حين تجدُ الصدق قيمةً عُليا في مجتمعاتٍ ليست مسلمة؛ فذات مرَّةٍ كنتُ في جنيف بسويسرا، فإذا بي أقابلُ امرأةً سويسرية من أصلٍ جزائري برفقةِ امرأةٍ سويسرية الأصل، ودار الحديثُ بيننا عن الشعب السويسري، فسألتها عن أهم قيمةٍ في هذا الشعب، فقالت: الصدق، فإذا اكتشف السويسري أن الآخر يكذبُ عليه سقطَ من عينه!!
ونحنُ هنا لا نفاضلُ بين هذه المجتمعات ومجتمعاتنا المسلمة، ولكننا عشنا في مجتمعاتٍ أوروبية، ورأينا أن البائع لا يغش، وميكانيكي السيارة يصدق في تعامله، وأن الفرد إن وعد وعدًا لا يكذب فيه، وتمنَّينا أن مجتمعاتنا تسودُ فيها قيمة الصدقِ هذه.
بعد محاضرتي لإحدى الجهات، تبعتني موظفةٌ كانت حاضرةً، فطلبت رأيي قائلةً: إن مديري يقول لي: لا تكوني صادقةً طوال الوقت، فمرَّة اصدقي، ومرَّة اكذبي..!! قُلتُ لها: هل الصدق عندك قيمة أم سلعة؟ فقالت: بل قيمة. قُلت: فالتزمي بها إذن.
الشاهدُ أنَّه لا يجب أن يُفهم من حديثنا عن "البحث عن الصدق" أن الصدقَ نادر، بل هو حاضرٌ في حياتنا، ولكن الكذب والتدليس والغش والنصب قد كثر وشاعَ في أماكنَ يُفترضُ أن تلتزم بالقيم الإنسانية، لا بالنفعية والكسب بغضِّ النظر عن إنسانية الإنسان، وعن قدراته المالية، وعن معاناته، سواءً مع المرض أو مع الفقر.
نحنُ بحاجة إلى أن نجعل الصدقَ قيمةً سلوكيةً، فالمجتمعات الحيَّة تقيمها الأخلاق قبل أن تردعها القوانين، وما جاء صدور القوانين المنظمة لعلاقات البشر إلا من بعد أن ضعفت الأخلاقيات بينهم، فتكون هي الرادع القانوني بدل الوازع الإيماني.
نحن بحاجةٍ إلى أن نشعر بالأمان حين نخطو نحو المستشفيات، والأسواق، وورش السيارات، وحين نتعامل مع البشر، وذلك بجعل قيمة الصدق "مقدَّسة"، لا يكون التنازلُ عنها إلا معدودًا من الآثام، والمعايبِ، ومن مخارم الرجولة، بل ومن شرارات الفتن الاجتماعية.
المجتمعات الصادقة هي التي تتوطَّد صلاتها، وتقوى لحمتها، وتوأد فيها الشائعات، وتخمد فيها الفتن، ويتقدم الناس فيها نحو الغد دون خشيةٍ من كذب، ولا خوفٍ من نصب.
