حمد الناصري
في ظل التحولات المُتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، والاتجاه المُتزايد نحو التعددية القطبية، تبرز التحالفات الإقليمية كأدوات حيوية لتحقيق الاستقرار والتنمية المُستدامة. وفي هذا السياق، يُمثل التقارب الاستراتيجي والتعاون الثلاثي بين المملكة العربية السعودية، وجمهورية تركيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، نموذجًا متقدمًا للتحالفات القائمة على إعادة التوازنات الإقليمية وتكامل القُدرات، وفق ما تتمتع به هذه الدول الثلاث من ثقل سياسي، واقتصادي، وعسكري، وجغرافي يمتد عبر الشرق الأوسط، وآسيا الوسطى، وجنوب آسيا.
هذه العلاقات الثلاثية تتجاوز الأطر التقليدية للعلاقات الثنائية؛ فواقع الأرضية بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد صلب، وتجمعه مصالح مشتركة وتنسيق متعدد الأطراف يتسم بالمرونة والموضوعية، وهي أرضية مهّدتها المملكة العربية السعودية بعبقرية سياسية حكيمة؛ حيث كانت سياسة "الأعراب" بمفهومها الأصيل والسيادي الحاضر بأشد قوة، وأعز نفرًا، وأعلى شأنًا، وأهم مكانًا في قيادة المشهد وتوجيهه نحو البناء والوحدة.
ومن قراءتنا المُعمقة لواقع هذا التحالف الثلاثي، نجد أن الحصافة البدوية بعمقها الجيوسياسي والجيو-ديني للأمة العربية والإسلامية تُمثّل أبعادًا رئيسة تشكل في جوهرها عُمقًا استراتيجيًا متكاملًا، يقوم على ركيزتين: التكامل الاقتصادي والمُقوّم الاستثماري. ولا سيما أنّ المملكة تشهد اليوم طفرة كبيرة في التبادل التجاري والائتلاف الروحي، وضخ استثمارات مشتركة قائمة على تبادلية المنافع؛ ونعني بها المواءمة والمزاوجة بين مستهدفات "رؤية السعودية 2030"، والقدرات التصنيعية التركية المتقدمة، والموقع اللوجستي المحوري لباكستان.
إنّ العبقرية السعودية تمثل حجر الزاوية ولُب هذا التقارب، لا سيما في مجالات التعاون الدفاعي والتكنولوجي. وقد أثمرت اللقاءات العسكرية ومجموعات العمل المشتركة عن تنسيق رفيع المستوى في مجال نقل التكنولوجيا، والصناعات الدفاعية المتطورة، والتمارين العسكرية المشتركة التي تهدف إلى رفع الكفاءة القتالية وتبادل الخبرات الأمنية. ومن أهم ثمار هذا العمل الأمني المشترك، تبرز الدبلوماسية الإقليمية التي تؤسسها السعودية عبر مواقفها المتزنة في المحافل الدولية، مثل منظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة؛ لدعم قضايا السّلم والأمن والاستقرار في المنطقة، وتبنّي حلول سياسية لأزمات الإقليم وخصوصيته الأمنية العظمى، والدولية في عموميتها، بما يُعيد رسم مكانة المنطقة جغرافيًا وسياسيًا على الخارطة العالمية من جديد.
سياسة المملكة العربية السعودية، تكمن في قراءة المستقبل من خلال رؤية آفاق الطموح الثلاثي؛ فما أروعها من رؤية حكيمة، تدلف إلى الآفاق المستقبليّة بالتعاون والتنسيق المكين، وبمُخرجات استراتيجية ذات أثر عميق على الساحتين الإقليمية والدولية، لتأسيس قُطب أمني واقتصادي مُستقر بتطلعاته ومُستهدفاته. وتتلاقى هذه التطلعات نحو سعي حثيث لخلق منطقة جذب استثماري آمنة تربط خطوط التجارة العالمية وممرات الطاقة الحيوية بين الشرق والغرب. ولا يكمن ذلك في التصنيع العسكري أو الانتقال به إلى اكتفاء ذاتي وحسب، بل الدخول بالتحالف من مرحلة استيراد المنظومات الدفاعية إلى مرحلة الإنتاج والبحث والتطوير المشترك، مما يُعزز السيادة الوطنية والقرار الاستراتيجي للدول الثلاث. هذا إلى جانب تفعيل أطر العمل الجماعي لمواجهة التحديات غير التقليدية العابرة للحدود، وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب، وتعزيز الأمن السيبراني، ومجابهة التغير المناخي، فضلًا عن أمن الطاقة والمياه.
خلاصة القول.. إنَّ هذه الرؤية الاستراتيجية المُستدامة هي رؤية عظمى تمثلت في الاتفاق والتعاون الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان. وهي لا تُشكل حلفًا موجهًا ضد أي طرف أو كيان، بل هو تحالف يُفهم منه، قولًا وفعلًا، بأنه من أجل البناء والتنمية والاستقرار الإقليمي، وليس ضد أحد في الإقليم أو خارجه، ونجاح هذا المحور الثلاثي والانتقال به من سعة التنسيق المرحلي إلى واسعة المؤسسية المُستدامة سيوفر شبكة أمان جيوسياسية واقتصادية قادرة على استيعاب الصدمات الدولية المتتالية، ويُقدم نموذجًا يُحتذى به في الدبلوماسية الوقائية والتعاون البنّاء بين القوى الإقليمية الكبرى.
