ظفار.. هبّة ضمير الأسرة الواحدة لا هبة مال

 

 

د. عبدالله باحجاج

ما شهدناه الأسبوع الماضي من صور التكافل والتآزر مع حملة علاج الطفلين أحمد العجمي وسالم الشيدي هو رصيدنا الوطني، بل قوة البلاد وهيبتها. صحيح هي -أي القوة- تُبنى بقوى متعددة ومتنوعة، منها الخشنة، لكن القوة الناعمة في عالم اليوم هي الأساس في حسم التوترات والحروب، وهي تكمن في مجتمع متماسك ومؤسسات أهلية ومدنية قادرة على تحويل قيم التضامن والمسؤولية إلى مصدر قوة وطنية، كما حدث في استجابة أهل ظفار مع الطفلين أحمد العجمي وسالم الشيدي، وقد خرج منها للعالم أجمع برسالة واضحة مفادها أن هيبة بلادنا نابعة من داخلها، وتحظى بالاحترام والتقدير في الداخل والخارج معًا، وقد تجددت هذه الهيبة المجتمعية في التوقيت المناسب الذي تتعاظم فيه التحديات المختلفة، ويا له من مشهد له دلالات ومعانٍ كثيرة، إذ إذا تألم طفل من المجتمع هب له الجميع، فكيف إذا ما احتاج الوطن للمجتمع؟

وإشادة سماحة المفتي العام بمبادرة التضامن مع الطفلين تعزز هذه الهيبة الداخلية، وتضعها في سياقها الوطني العام، وقد شكر سماحته، حفظه الله ورعاه، أهل عُمان عامة، وأهل محافظة ظفار خاصة، على تعاضدهم في شأن الطفلين المريضين، كما دعاهم إلى استمرار تكاتف العُمانيين مع بعضهم البعض، ومع إخوانهم المسلمين، لا سيما أهل فلسطين. وفي ظفار مثلًا، رجال ونساء وأطفال تسابقوا مع الوقت في التبرع لعلاج الطفلين في مشهد وطني يجسد أسمى معاني التكافل والتراحم، وكل الأسر والأفراد تحولوا إلى أسرة واحدة للطفلين، فمنهم من تبرع بسيارته، ونساء قدمن ذهبهن بكل رضا وحب، وأثرياء وشركات كانت سخية في عطائها إلى مستويات المثالية المطلقة. الكل سابقوا الزمن بما استطاعوا من عطاء، ووصلت إلى القلوب قبل أن تحط مبالغ علاج الطفلين.

فعلًا، تحول أهل عُمان عامة، وظفار خاصة، إلى أسرة واحدة للطفلين المريضين، وتلكم المشاهد أفضل تعبير عنها، وليس بالضرورة أنها تعكس المقدرة المالية للمجتمع المحلي كأفراد رجال ونساء، وإنما تعكس هبة الضمير المجتمعي الوطني، بمعنى ليس هبة مال، بل هبة ضمير لمعنى الأسرة الواحدة، فهل أفرادها سيتفرجون على واحد منهم يعاني ألمًا يمس حياته الوجودية؟ لذلك هي هبة ضمير الأسرة الواحدة، ولذلك فقد تحركوا بقلب واحد وفي توقيت واحد، ولذلك نطلق عليها هبة ضمير الأسرة الواحدة. ونكرر ما قلناه سابقًا، فكيف إذا ما احتاج الوطن لأبنائه في تحديات مقبلة؟ ولا نستبعدها أبدًا، فهم جاهزون، فلن يكون، بعد الله جل في علاه، خير سند قوي لبلادنا سوى مجتمعنا المتماسك بروح ضمير الأسرة الواحدة داخل الوطن الواحد.

فكيف ينبغي استثمار هبة ضمير الأسرة الواحدة؟ هذا التساؤل الهام الذي ينبغي التفكير فيه الآن، ونراه في تأسيس جمعية أهلية في كل محافظة تحمل رسالتها -أي هبة الضمير- وتعمل على رعاية القيم التي جسدتها، مثل مساندة الحالات الإنسانية، وتنظيم العمل التطوعي بما يحقق أثرًا واسعًا وأكثر انتظامًا، وطبيعة البنية التحتية لهذه الجمعية موجودة وفعالة، وقد كسبت الثقة في مؤطريها ومؤسسيها. من هنا يمكن أن تشكل الفرق الخيرية والتطوعية في كل محافظة نواة هذه الجمعيات، وهنا يمكن القول إن ما شهدته ظفار من نجاح منقطع النظير في حملات التبرع للطفلين أحمد العجمي وسالم الشيدي، فإن قانون مؤسسات المجتمع المدني الصادر بموجب المرسوم السلطاني رقم (64/2026)، الذي حل محل قانون الجمعيات الأهلية السابق، يفتح الباب للتفكير في انتقال المبادرات الموسمية أو الظرفية إلى العمل المؤسسي، خاصة بعد أن اكتسب العمل التطوعي والخيري الثقة الكاملة، ولولاها فما تسابق كل فئات وشرائح المجتمع المحلي إلى التبرعات، رغم ما يعانيه الكثير منهم من مشاكل مالية، وربما علينا في مقال طرح التحديات التي تواجه هبة ضمير الأسرة الواحدة، وقد أصبح الحفاظ على هذا الضمير مسألة حتمية، فهناك تحديات كبيرة لا بد من تناولها والعمل على تفاديها.

الأكثر قراءة

z