جهاز الاستثمار وتطوير كرة القدم العمانية

 

 

د/ عبدالله بن على باحجاج

وجدت نفسي أنحاز إلى تجربتي لاعبًا سابقًا في منتخب سلطنة عُمان ونادي ظفار لكرة القدم لأكتب في الشأن الرياضي، لأن من عاش التجربة بثنائيتها "المحلي والدولي" يدرك كثيرًا من القضايا الرياضية التي لا تُدرك إلا من عاش في قلب الرياضة، ومن ميادين التدريب، وتعدد الخطط والمدارس الرياضية. فقد منحتني التجربة الفرصة لأرى الرياضة عامة، وكرة القدم خاصة، وأن الإنجاز المستدام فيها لا يُصنع إلا من الإعداد والتخطيط والعمل المتراكم، وبأعمال الفكر. وبعد إخفاقات المنتخبات الخليجية في كأس العالم الحالي 2026، وخاصة حجم التباين الكبير بين اللاعب الخليجي واللاعب في المنتخبات الأخرى، تبادر إلى الذهن التساؤل التالي: كيف نصنع اللاعب العُماني؟

وكتابتي في الشأن الرياضي تهدف إلى مشاركتي في نقاش أراه ضروريًا لمستقبل كرة القدم في بلادنا، ويستوجب فتحه عاجلًا ومن منظور غير تقليدي، وينبغي أن ينطلق من تساؤلين مهمين، هما: لماذا لم نتأهل إلى كأس العالم 2026؟ وكيف لو تأهلنا، في ظل النسخ الخليجية التي مُني بعضها بخسائر كبيرة في عدد الأهداف، رغم ما تنفقه من الملايين على كرة القدم، سواء على بطولاتها الداخلية، وتجنيس اللاعبين، أو على مشاركاتها الخارجية؟ وهنا ينبغي أن تقودنا صراحتنا إلى القول بأنه ينبغي إعادة بوصلة تفكيرنا براديكالية غير مسبوقة إذا ما أردنا الرهان على كرة القدم قوةً ناعمةً تسهم في تعزيز اسم البلاد، وتعزيز الوحدة الوطنية عبر التفاف كل المواطنين حول علم البلاد ونشيدها في المحافل الإقليمية والدولية، وكذلك جعلها موردًا اقتصاديًا، فقد أصبحت كرة القدم صناعة عالمية بمليارات الدولارات تشمل حقوق البث، والإعلانات، والسياحة الرياضية، ورعاية الشركات، وصناعة الملابس والمعدات الرياضية، وتوفير فرص العمل، إلى جانب أنها تعد استثمارًا مثاليًا للشباب، حيث توجههم نحو المنافسة والإبداع والانضباط، وغرس قيم العمل الجماعي.

وتطوير كرة القدم العُمانية ينبغي أن يتماهى مع الفكر الاستراتيجي للمسيرة المتجددة وفق هدف استراتيجي يغير تفكيرنا في كرة القدم من تحقيق الانتصارات الطموحة -وقد طال انتظارها- إلى صناعة الإنسان وبناء اقتصاد رياضي، وهذا الرهان لا يتحقق من خلال الاهتمام بالمنتخب، مهما استعنا بالمدربين العالميين، وأجرى منتخبنا معسكرات خارجية، وإنما من خلال الاهتمام بالقاعدة التأسيسية التي تصنع النجاح المستدام. وكما يقال، فالمنتخب الوطني القوي لا يبدأ قبل البطولة بعام أو عامين، وإنما هو ثمرة عمل يمتد لسنوات.

وهناك مساران ينبغي أن يُتخذا في آنٍ واحد لتطوير كرة القدم العُمانية؛ أولهما: تحديد فترة زمنية مدتها خمس سنوات، يتم من خلالها تجميد المشاركات الخارجية للمنتخبات، مع بقاء المسابقات الداخلية، وتحويل ميزانية المشاركات الخارجية إلى إنشاء صندوق استثماري للرياضة. ثانيهما: دخول جهاز الاستثمار العُماني إلى القطاع الرياضي كمستثمر تنموي طويل الأجل، أي ليس من منظور الدعم المالي للأندية، بحيث يتم التركيز الاستثماري على ثلاثة محاور أساسية على الأقل:

  • إنشاء، في كل محافظة، أكاديمية وطنية لاكتشاف المواهب وتطويرها.
  • تطوير البنية الأساسية للملاعب ومراكز التدريب وفق معايير عالمية.
  • تحويل الأندية إلى مؤسسات اقتصادية قادرة على تحقيق إيرادات من التسويق وحقوق البث والرعاية، وإقامة مشاريع تجارية واقتصادية، ويُمنح لها من خزينة الدولة مبالغ لذلك، على أن يُقطع الدعم الحكومي للأندية بعد أن يصبح لها إيرادات مستدامة، وهذا يتطلب خفض عدد الأندية.

الأهم هنا أن دخول جهاز الاستثمار العُماني في كرة القدم العُمانية ينبغي أن يُبنى على أسس اقتصادية، وقد أصبح تدخله عاجلًا حتمية، فاستثماره في القطاع الرياضي سيكون استثمارًا في الإنسان، وفي سمعة البلاد، وفي صناعة رياضية يمكن أن تصبح أحد روافد اقتصادنا الوطني. وهنا إحدى أهم المناطق الاستثمارية لجهاز الاستثمار العُماني، وإيماننا بهذا النوع من الاستثمارات ينبغي أن يقودنا إلى إنشاء صندوق استثماري للقطاع الرياضي، على غرار بقية الصناديق التابعة للجهاز التي تستوجب المصلحة الوطنية إنشاءها لدواعٍ استراتيجية.

وبلادنا ليست خزانًا للموارد الطبيعية فحسب، بل هي أيضًا خزان للمواهب والعقول في مختلف المجالات، وفي مجال الرياضة -موضوع حديثنا- وعندما تُكتشف هذه المواهب والعقول، وتُصقل بالبرامج العلمية، وتحظى بالاستمرارية في الإعداد، ستكون عندئذٍ طموحاتنا العالمية تحصيل حاصل. وكل من يتابع فرق الأحياء والمسابقات التي تُجريها بعيدًا عن احتضان الأندية، وإنما بمبادرات فردية، سيقف على أهمية مقترحنا إذا ما أردنا تحقيق طموحنا في كرة القدم. كما أن إقامة أكاديميات رياضية في كل محافظة، ولها مدارس في كل ولاية، يدخل في استثمار مواردنا البشرية، وشغل الشباب بطموح له أفق حالم وممكن التطبيق، فاللاعبون الجاهزون أسواق داخلية وخارجية ومستدامة، وهنا أفضل وسيلة لحماية الكثير من الشباب، وبناء مستقبلهم عبر توجيه طاقتهم نحو مشروع كبير ملهم وواقعي في الوقت نفسه، وبهذا تتعدد انشغالات الشباب بأهداف إيجابية بدل أن تستهلكهم الفراغات أو الإحباط أو السلوكيات السلبية.

الأكثر قراءة

z