عبدالنبي الشعلة
لماذا يتجرأ النظام الإيراني على ابتزازنا والاعتداء علينا؟ وهل شجعه على ذلك شعورنا بالضعف، أو اعتقاده بأنه أقوى منا؟ هذا التساؤل طُرح خلال أحد اللقاءات التي جمعتني مؤخرًا بعدد من الأشقاء الخليجيين، وكان دافعًا لكتابة هذا المقال.
فليست كل الهزائم عسكرية، وليست كل الانتصارات تُحسم في ميادين القتال. فكثير من الأمم امتلكت مقومات القوة التي تؤهلها لحماية مصالحها، لكنها خسرت لأنها أقنعت نفسها بأنها أضعف مما هي عليه. وقد كانت الحروب النفسية، عبر التاريخ، تمهيدًا للحروب العسكرية؛ فمن ينجح في زعزعة ثقة خصمه بنفسه يحقق نصف انتصاره قبل إطلاق الرصاصة الأولى.
ولعل هذا ما يدعونا اليوم إلى مراجعة نظرتنا إلى أنفسنا في دول مجلس التعاون الخليجي. فمنذ سنوات طويلة، ترسخ في وعينا، بصورة أو بأخرى، شعور مبالغ فيه بأننا الطرف الأضعف في مواجهة التهديدات القادمة من الضفة الشرقية للخليج العربي، حتى أصبح هذا الشعور، في أحيان كثيرة، أقوى من الحقائق نفسها.
ولا يقتصر الأمر على العلاقة مع إيران، بل يمتد إلى التجربة العربية عمومًا. فقد سمحنا، لعقود، للحرب النفسية التي مارستها الحركة الصهيونية بأن تؤثر في وعينا، حتى أصبحنا نتعامل مع كثير من التهديدات وكأنها حقائق لا تقبل النقاش. ولعل هزيمة عام 1967 لم تكن هزيمة عسكرية فحسب، بل كانت أيضًا هزيمة في الثقة بالنفس، سبقتها سنوات من التهويل وسوء تقدير موازين القوى.
ومن هذا المنطلق، أؤكد أنني من المؤمنين بالسلام، والداعين إلى الحوار والتعاون مع الشعب الإيراني، ذلك الشعب الجار الذي تربطنا به روابط الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة. غير أن هذا الموقف لا يمنع من التمييز بين الشعب الإيراني والنظام الحاكم، الذي يبدو أنه وجد في تصدير الأزمات وإدامة التوتر وسيلة لتعزيز بقائه وإشغال الداخل الإيراني بأزماته المتراكمة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا بكل صراحة: هل نحن حقًا أضعف من إيران حتى نتعامل معها بهذا القدر من القلق؟ أم أن المشكلة تكمن في الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا؟
إن المقارنة الموضوعية بين دول مجلس التعاون وإيران تكشف صورة مختلفة. فمن الناحية الاجتماعية، تتمتع دول المجلس بدرجة عالية من الاستقرار والتجانس، بينما تضم إيران قوميات وأعراقًا متعددة، وتواجه تحديات داخلية معقدة. كما تُعد مستويات المعيشة في دول الخليج من بين الأعلى عالميًا، في حين تشير تقديرات اقتصادية إلى أن نسبة كبيرة من الإيرانيين تعيش تحت خط الفقر أو على مقربة منه، نتيجة العقوبات وتراجع القوة الشرائية واتساع الفجوة بين الطبقات.
أما اقتصاديًا، فالصورة أكثر وضوحًا. فوفقًا لأحدث تقديرات المؤسسات الدولية، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لدول مجلس التعاون نحو 2.5 تريليون دولار، مقابل نحو 300 مليار دولار لإيران، أي إن الاقتصاد الخليجي يفوق نظيره الإيراني بنحو ثمانية أضعاف. وهذه ليست مجرد أرقام، بل تعكس قدرة أكبر على الاستثمار والتنمية، والإنفاق على التعليم والصحة والبنية الأساسية، وبناء القوة الوطنية الشاملة.
وعلى المستوى الصناعي، نجحت دول مجلس التعاون خلال العقود الأخيرة في الانتقال تدريجيًا من الاقتصادات الريعية إلى بناء قواعد إنتاجية متطورة في قطاعات البتروكيماويات والألمنيوم والطاقة والخدمات اللوجستية والصناعات العسكرية والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وأصبحت بعض الشركات الخليجية تطور تقنياتها الخاصة وتنافس في الأسواق العالمية، بينما لا تزال الصناعة الإيرانية تعاني آثار العقوبات وصعوبة الوصول إلى التكنولوجيا الحديثة، وهو ما انعكس على قدرتها الإنتاجية والتنافسية.
ومن أبرز عناصر القوة الخليجية أيضًا اتساع شبكة العلاقات الدولية وعمق الشراكات الاستراتيجية. فقد استطاعت دول المجلس، عبر عقود من السياسة المتوازنة، بناء علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وأوروبا وبريطانيا وفرنسا، مع توسيع تعاونها في الوقت نفسه مع الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من القوى الدولية. كما أصبحت شريكًا موثوقًا في أمن الطاقة واستقرار التجارة العالمية، بينما لا تزال إيران تواجه عزلة سياسية واقتصادية تحد من قدرتها على بناء شبكة مماثلة من العلاقات والتحالفات.
أما عسكريًا، فإن الصورة أكثر توازنًا مما يتصور كثيرون. فصحيح أن إيران تتفوق عدديًا في حجم قواتها البشرية، وتمتلك ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلا أن دول مجلس التعاون تتفوق بوضوح في حجم الإنفاق الدفاعي، ونوعية التسليح، ومنظومات القيادة والسيطرة، والقوات الجوية والدفاع الجوي، والقدرات البحرية، فضلًا عن جاهزية قواتها وشراكاتها الدفاعية مع القوى الكبرى. وفي عالم اليوم، لم تعد القوة العسكرية تُقاس بعدد الجنود وحده، بل بكفاءة التكنولوجيا، وسرعة الاستجابة، والتكامل بين القدرات العسكرية والاستخباراتية واللوجستية.
ولا يعني ما سبق الدعوة إلى المواجهة أو التقليل من قدرات الآخرين، فإيران دولة كبيرة لا يجوز الاستهانة بها، كما أن أمن الخليج واستقرار المنطقة لن يتحققا إلا بالحوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. غير أن الحوار الحقيقي لا يقوم على شعور طرف بالضعف وطرف آخر بالتفوق، وإنما يقوم على التوازن والثقة بالنفس والاحترام المتبادل.
إن الرسالة الأساسية ليست أن دول الخليج تبحث عن خصومة مع أحد، وإنما أنها تمتلك من عناصر القوة ما يجعلها قادرة على حماية مصالحها إذا أحسنت توظيف هذه المقومات. فالقوة لا تُقاس بالموارد وحدها، بل بالإرادة، وحسن إدارة الإمكانات، ووحدة الصف.
ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم ليس نقص الثروة ولا محدودية السكان، وإنما فقدان الثقة بالنفس. فعندما نؤمن بما نملكه من مقومات اقتصادية وبشرية وعلمية وعسكرية، ونتعامل مع أمننا باعتباره مسؤولية خليجية مشتركة، فإننا نغلق الباب أمام كل من يراهن على ترددنا أو يسعى إلى ابتزازنا. فالردع يبدأ من الثقة بالنفس، واحترام الآخرين لنا يبدأ، قبل كل شيء، من احترامنا نحن لأنفسنا.
