عشبة تفر التيس.. كنز طبي منسي في صحاري عُمان

 

 

 

بلقيس الهنائي

في قلب الصحراء القاسية وبين شقوق الجبال المنسية، لم تكن الأرض للأجداد مجرد رمال وصخور، بل كانت كتابًا مفتوحًا يقرؤون سطوره بالفطرة والتجربة. ومن بين صفحات هذا الكتاب الطبيعي، تبرز نبتة برية عنيدة قهرت الجفاف واستوطنت الفيافي، عُرفت محليًا باسم "تفر التيس" أو"صنان التيس".

وخلف اسمها الشعبي الغريب والمستوحى من رائحتها النفاذة، تختبئ صيدلية برية متكاملة توارثتها الأجيال؛ فهي النبتة التي طالما وثق بها العمانيون وسكان الجزيرة العربية كسرٍّ طبيعي لجبر العظام، وتسكين الآلام، والتداوي من علل الجسد، لتقف اليوم شاهدًا حيا على عبقرية الطب الشعبي المستمد من نبض الأرض.

 

فهل هذه العشبة مجرد موروث شعبي قديم يتوارثه كبار السن؟ أم أنها كنز طبي حقيقي ما زال ينتظر من يكتشفه علميًا؟ الإجابة، كما تكشف الأبحاث الحديثة، أقرب للاحتمال الثاني.

والاسم العلمي لهذه العشبة هو Haplophyllum tuberculatum، وهي نبات عشبي معمّر مغطى بغدد إفرازية صغيرة تشبه الحليب، تفرز تلك الرائحة النفاذة المميزة عند فركها. تُزهر العشبة أزهارًا صفراء صغيرة، وتنمو وتزدهر في أقسى الظروف: التلال الرملية والأودية والمنحدرات الصخرية بالمناطق القاحلة وشبه القاحلة في سلطنة عُمان والإمارات وشرق السعودية وقطر والبحرين والكويت.

وفي عُمان تحديدًا، تحمل العشبة أسماء عامية مختلفة باختلاف المحافظة، فيسميها أهالي الداخلية " تفرالتيس" وأهالي الظاهرة "كيرخان"، وأهالي الشرقية "مخيسة الفار"،  وأهالي الباطنة "صنان التيس"  أو "تفر التيس"،  بينما تُعرف في ظفار ومسندم باسم "بُعبع التيس".

"مُجبِّرة العظام" في الذاكرة الشعبية

من أشهر استخدامات هذه العشبة في الموروث العُماني هو جبر الكسور. فقد اعتاد المعالجون الشعبيون (المُجبِّرون) طحن العشبة المجففة وخلطها مع الحليب الطازج الدافئ أو السمن البلدي، لتُشرب أو تُدعك موضعيًا على مكان الكسر، أعتقد بإنها تسرّع التئام العظام وتخفف الألم.

ولم يقتصر استخدامها على ذلك، بل استُخدمت أيضًا لطرد الغازات، وتخفيف آلام الصدر والمفاصل، بل أعتقد بأنها تحمي من لدغات الحشرات والزواحف. أما في شمال عُمان، فاستُخرج عصير أوراقها لعلاج الصداع وإزالة الثآليل والنمش من الجلد.

هنا يتحول الحديث عن هذه العشبة من موروث شعبي إلى موضوع بحثي جاد، إذ كشفت دراسات كيميائية ومخبرية حديثة عن محتوى غني بالمركبات الفعّالة ونتائج بيولوجية مثيرة:

التركيب الكيميائي: أظهرت التحاليل أن العشبة غنية بالزيوت الطيّارة (أبرز مكوناتها البيتا-كاريوفيلين)، إلى جانب مركبات الفينولات والفلافونويدات كالكيرسيتين والروتين والكامبفيرول، والقلويدات، والكومارينات.

مضادة للبكتيريا والفطريات: أثبتت عدة دراسات مخبرية، منها دراسة عُمانية نُشرت في مجلة Journal of Ethnopharmacology.

ومستخلصات وزيوت العشبة تمتلك قدرة ملحوظة على تثبيط نمو أنواع متعددة من البكتيريا والفطريات. كما إنها مضادة للأكسدة؛ حيث رصدت دراسات محتوى مرتفعًا من المركبات الفينولية والفلافونويدية في مستخلصات العشبة، وهي مركبات تحمي الخلايا من التلف التأكسدي.

وأشارت دراسات مخبرية إلى أن الزيوت الطيّارة المستخلصة من العشبة أظهرت نشاطًا سامًّا تجاه بعض الخلايا السرطانية (مثل خلايا سرطان الرئة والكبد) في تجارب على مستنبتات خلوية، وهي نتائج واعدة لكنها ما تزال في مراحل بحثية مبكرة جدًا ولا تُعد دليلًا على فعالية علاجية.

التئام الجروح والالتهابات: أظهرت مستخلصات الأوراق في تجارب على حيوانات نشاطًا مسكّنًا للألم، ومضادًا للالتهاب، وملتئمًا للجروح، وهو ما يتقاطع بشكل لافت مع استخدامها الشعبي القديم في جبر الكسور وتخفيف الآلام.

رغم هذه النتائج الواعدة، لا بد من التنويه إلى أن معظمها جاء من تجارب مخبرية أو على حيوانات، وليس من دراسات سريرية موثقة على البشر. كما أن العشبة تحتوي على مركبات قوية التأثير، وقد أشارت بعض المراجعات العلمية إلى خصائص "مرخية للرحم" رُصدت في أبحاث سابقة عليها، ما يستدعي تحذيرًا صارمًا من استخدامها لدى الحوامل والمرضعات والأطفال دون إشراف مختص أو دراسات سمية كافية. كما ينبغي تجنّب الاستهلاك العشوائي أو بجرعات كبيرة، إذ إن أي مركب طبيعي فعّال يحمل في المقابل احتمال التأثير السلبي إذا أُسيء استخدامه.

تُثبت الأبحاث العلمية الحديثة أن الطبيعة العُمانية والخليجية لا تزال تخبئ أسرارًا كثيرة لم تُستكشف بعد. وتفر التيس، بما تحمله من مركبات نشطة حيويًا تتقاطع بشكل مباشر مع استخدامها الشعبي القديم في جبر الكسور وتسكين الآلام، تستحق أن تخرج من حدود الطب الشعبي إلى مختبرات البحث العلمي الجاد. وهنا تبرز الحاجة إلى مبادرات من الجامعات ومراكز الأبحاث المحلية، كجامعة السلطان قابوس وغيرها من مؤسسات البحث العلمي في السلطنة، لدراسة هذه العشبة بعمق أكبر، وتحويل إرث الأجداد الشعبي إلى أدوية معتمدة علميًا تخدم الإنسان بدل أن تبقى حبيسة الذاكرة الشعبية فقط.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z